"الانتقالي الجنوبي" والمراهقة السياسية

باعتباره سلطة فرضتها شرعة الغلبة وإرادة المتغلّبين الإقليميين في اليمن، يواجه المجلس الانتقالي الجنوبي اختبارا حقيقيا في إدارة مدينة عدن، إذ إن حسمه صراع السلطة نقله من قوة موازية للسلطة الشرعية في الشارع الجنوبي إلى سلطة أمر واقع تدير مدينة عدن، فيما يفرض استمرار انسداد أفق المفاوضات السياسية بين فرقاء الصراع في جنوب اليمن هذا الواقع؛ بيد أن تثبيت المجلس الانتقالي سلطته لا يكون بالاحتكام للقوة العسكرية، وإنما من قدرته على إيجاد آليات جديدة للتغلب على التحدّيات التي قد تحدّد خياراته السياسية، وتحكم تجربته في المستقبل، بدءاً ببُنيته السياسية إلى علاقته بالقوى الفاعلة في الساحة الجنوبية، بمن في ذلك حلفاؤه الإقليميون، وكذلك قدرته على تطبيع الحياة في مدينة عدن، إذ تظلّ إدارة المجلس هذه التحديات المُركبة المحكّ الرئيس لاستدامة سلطته في مدينة عدن.
 
تتأتّى فاعلية القوى السياسية من انسجام مكوناتها، وكذلك توافق شعاراتها السياسية مع ممارساتها، بالإضافة إلى احتكامها إلى برنامج سياسي واضح، يمكّنها من تحقيق أهدافها في المستقبل. وفي هذا السياق، فإن الهيئة السياسية للمجلس الانتقالي، بصيغته الحالية، تضم تمثيل زعاماتٍ سياسيةٍ على أساس جغرافي، لا تكويناتٍ سياسية في الأرض، ما يعكس مشكلات هذه التمثيلات داخل بُنية المجلس، كما يفتقر المجلس لبرنامج سياسي محدّد، في مقابل تصلّبه عند مرحلة الشعاراتية، إضافة إلى علاقته المُختلة بمحيطه السياسي وحلفائه الإقليميين، ما يعوق نضوجه السياسي وتحوله إلى سلطةٍ حقيقية.
 
كما أن التناقض الأيديولوجي لزعامات المجلس الانتقالي، من أقصى اليمين الإسلامي المتشدّد إلى خلفية رجراجة من القومية واليسارية، انعكس على توجهات المجلس، إذ لا رابط بين هذه الزعامات سوى مطالبتها باستقلال جنوب اليمن عن شماله. وفي حين أن هذا التكوين العشوائي قد يصمد عند الحشد الجماهيري في مرحلة التأسيس، فإنه يسقط في اختبار السلطة، وهو ما تمظهر في تباين تصريحات زعامات المجلس حيال شكل الدولة المستقبلية في جنوب اليمن، فضلا عن أن سيطرة السلفيين الجنوبين على الصوت السياسي للمجلس الانتقالي تمثل قلقاً حقيقياً لأنصاره في الشارع الجنوبي، وكذلك المجتمع الدولي.
 
غياب المشروع السياسي للمجلس الانتقالي الجنوبي يعد الوجه الآخر لضبابية رؤاه السياسية، وهو ما انعكس في تباين الطروحات السياسية لزعامات هذا المجلس وتوجهاته حيال علاقته بالسلطة الشرعية، فمنذ تأسيسه في مايو/ أيار 2017 وحتى سيطرته على مدينة عدن في أغسطس/ آب الماضي، تباينت خطابات زعامات المجلس بين الاستقلال عن الشمال إلى الاعتراف بسلطة خصمه الشرعية اليمنية ممثلة بالرئيس عبد ربه منصور هادي، ما يكشف عن تذبذبه السياسي، وهو ما تؤكده تسريبات إعلامية عن مفاوضات الرياض، ومطالبة المجلس الانتقالي بحقائب وزارية في الحكومة الشرعية وإدارة مدينة عدن للاعتراف بالسلطة الشرعية، وحتى إن كان هذا الاعتراف والمطالب الآنية للانتقالي تكتيكاً مرحلياً يهدف إلى حصوله على غطاء دولي لشرعنة سلطته، مقدمة لتحقيق الاستقلال الكامل عن شمال اليمن، فإن ذلك يعد ارتباكاً في مواقفه وخديعة لجمهوره المتحمّس في جنوب اليمن.
 
استمرار تموضع المجلس الانتقالي الجنوبي كيانا سياسيا معارضا للسلطة الشرعية لا كسلطة أمر واقع تدير مدينة عدن أدى إلى مراكمة فشله في إدارة المدينة، إذ تحتم عليه سيطرته العسكرية على المدينة إيفاء التزاماته كدولة، وتحمل مسؤوليته السياسية كسلطة أمر واقع تدير المدينة، إلا أن استمرار الانفلات الأمني في المدينة، وغياب الخدمات، بما في ذلك عدم صرف رواتب موظفي الدولة، يشيران إلى عجز المجلس الانتقالي حتى الآن عن تطبيع الحياة في عدن، فعلى الرغم من توظيف السلطة الشرعية أزمة رواتب موظفي الدولة لتضييق الخناق على المجلس الانتقالي، فذلك لا يعفيه من المسؤولية، إذ كان عليه قبل إسقاط المدينة إيجاد آليات لمواجهة الأعباء الإنسانية والاقتصادية للمواطنين.
 
إلا أن المجلس الانتقالي الجنوبي، ومن خلفه الإمارات، يحرص على عسكرة مدينة عدن، وفرض الصوت السياسي الواحد الذي يمثله فيها، وملاحقة الخصوم، بغرض تعزيز قبضته على المدينة، بالإضافة إلى محاولة استئناف معركته العسكرية ضد القوات التابعة للشرعية في مدينة شبوة والمناطق الجنوبية الأخرى، من خلال التعزيزات العسكرية الإماراتية التي تصل إلى مدينة عدن، بينما كان في استطاعة المجلس الانتقالي فرض سلطته على المدينة باعتبارها سلطة لجميع المواطنين، لا لحلفائه فقط، وتأسيس نموذج دولةٍ في مدينة عدن، ما سيؤدي إلى تطلع المدن الجنوبية الأخرى لسلطته، بدلاً من استمراره في التحشيد العسكري لمعارك أخرى.
 
لا مجلس انتقاليا جنوبيا من دون دولة الإمارات، ولا مستقبل للإمارات في جنوب اليمن من دون هذا المجلس. تبدو هذه الحقيقة السياسية بديهية، لكنها مربكةٌ في تحديد مستقبل المجلس الانتقالي، ففي حين مثلت الإمارات، الدولة الثانية في التحالف العربي، ضلع المعادلة السياسية في تأسيسه، سواء بدعمه ماليا وتكريس قياداته السياسية في الشارع الجنوبي، في مقابل تحجيم القوى الجنوبية الأخرى المنافسة له، أو بإلحاق القوى العسكرية والأحزمة الأمنية التي درّبتها الإمارات بالمجلس الانتقالي، وانتهاء بمشاركة الطيران الإماراتي إلى جانب قوات الانتقالي في معركة عدن أخيرا، غير أن علاقة الإمارات الأبوية بالمجلس الانتقالي تفرض عليه استحقاقاتٍ سياسيةً للإمارات في المستقبل، وعلى حساب أي محاولةٍ منه لتكوين رصيد خاص في الشارع الجنوبي.
 
 إذ إن بقاء المجلس الانتقالي أداة سياسية للإمارات في جنوب اليمن يضعفه أمام خصومه من القوى الجنوبية الأخرى المنافسة لها، ويطعن بشرعيته في المستقبل، ففي حال استقل الجنوب عن شمال اليمن، سيكون المجلس الانتقالي أداة محلية لقوى خارجية لا قوة محلية تحرّرية. ومن جهة ثانية، تفرض العلاقة التبعية للإمارات على المجلس الانتقالي أن يخوض كل معاركها في الساحة اليمنية، وأن يكون رهنا لها، حتى في حال حدوث أي تحول سياسي في موقف الإمارات بشأن اليمن. ومن جهة ثالثة، فخضوع المجلس الانتقالي لحليفه الإماراتي يعني تفريطه بالسعودية، الدولة الرئيسة في التحالف العربي، ما يجعل الانتقالي خاضعا للعلاقة السعودية - الإماراتية في اليمن، فاستمرار منافستهما على جنوب اليمن يعني عزل الانتقالي وتضييق الخناق عليه، في مقابل تقوية منافسيه الجنوبيين.
 
علاقة المجلس الانتقالي الجنوبي بمحيطه السياسي في جنوب اليمن تحدّ آخر لمستقبله السياسي، إذ إن قبول الشارع الجنوبي، بما في ذلك القوى الجنوبية الأخرى، بالمجلس الانتقالي سلطة جنوبية فتية، يمنحه شرعية حقيقية، لا مفروضة من قوى إقليمية خارجية، بيد أن الاحتكام للغلبة ومصادرة القضية الجنوبية لصالحه أوجدا حالة من التوجس لدى كثيرين من أنصاره، كما أن التركيب المناطقي الجغرافي للمجلس الانتقالي، وعدم انفتاحه على قوى سياسية أخرى، أعادا إلى أذهان الجنوبيين صراعاتٍ قديمة.
 
إضافة إلى تورّط قياداتٍ أمنية محسوبة على المجلس الانتقالي في انتهاكات حيال المواطنين وعدم مساءلتها، ما كرّس حالة من الخوف المبرّر في الشارع الجنوبي، فضلاً عن استقوائه بدولة خارجية لفرض أجندته على الجنوبيين، وهو ما أسهم في فشل المجلس الانتقالي الجنوبي في فرض نفسه قوة جنوبية وحيدة تمثل الشارع الجنوبي، إذ تتعدّد القوى الجنوبية الفاعلة في الساحة الجنوبية، وذلك بتعدّد ولاءاتها وداعميها الإقليميين، فمن جهة يحظى الائتلاف الوطني الجنوبي، الموالي للسلطة الشرعية، بقدر من الحضور، بفضل دعم السعودية له ليكون منافساً للمجلس الانتقالي الجنوبي، حليف الإمارات في جنوب اليمن.
 
ومن جهة أخرى، يحضر الحراك السلمي الجنوبي في مناطق متعدّدة، فيما يمثل الحراك الثوري الجنوبي التابع للقائد الجنوبي، حسن باعوم، القوة الثانية الرئيسة في جنوب اليمن، إذ تشتد المنافسة بينه والمجلس الانتقالي، حيث ينظر الحراك الثوري الجنوبي إلى المجلس الانتقالي أنه أضرّ بالقضية الجنوبية وحرفها عن مسارها التاريخي السلمي، وحوّلها إلى مطيةٍ لقوى خارجية لتحقيق أجنداتها في جنوب اليمن، كما أسّس سلاطين الجنوب تنظيماً جديداً يطالب بإحياء سلطناتهم القديمة.
 
 وبالتالي فإن ادعاء المجلس الانتقالي أنه الممثل الوحيد للقضية الجنوبية لا يستقيم مع حقائق الأرض، ما يجعل توحيد الشارع الجنوبي خلف المجلس الانتقالي مستحيلاً، على الرغم من محاولة الإمارات ذلك، في ضوء تنافس القوى المحلية وداعميها على مقدّرات الجنوب، بالإضافة إلى عدم تشكل قوة محلية في جنوب اليمن تمثل خيارات الجنوبيين، بما في ذلك الاستقلال، ولا تكون مجرّد قفاز لقوى خارجية.
 
 
يبقى المجلس الانتقالي الجنوبي، بإيجابياته وسلبياته، سلطة أمر واقع في مدينة عدن، وربما في جنوب اليمن لاحقاً، كنتيجة منطقية للإرادة السعودية - الإماراتية في اليمن، مقابل بقاء مليشيات الحوثي، المدعومة من إيران، سلطة قهرية في المناطق الخاضعة لها، وتعضيد سلطة الأحزاب المملشنة في مناطق أخرى. ولكن، ومهما كانت قدرة المجلس الانتقالي الجنوبي على تكييف الظروف لصالحه في الوقت الحالي، فإن دروس التاريخ تقول إنه لا قوة ولا شرعية مستقبلية لمن ينتصر بالخارج على مواطنيه، حتى لو فرض واقع الحرب العبثية في اليمن ودويلاتها الإقليمية التي تتسابق على إقامة إمارات الطوائف وممالك السلاطين والجماعات الانعزالية في تقوية قوىً سياسيةٍ ما على حساب القوى الأخرى، فإن الشارع اليمني، وإن كان متعبا اليوم، إلا أنه يملك الوعي الكافي لتمييز القوى الطارئة والمتغلبة.
 

*العربي الجديد

نسعد بمشاركتك
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص