معين العبيدي في الإمارات

الحكومة اليمنية والإمارات.. علاقة باهضة الكلفة

كتب الدكتور أحمد عبيد بن دغر نهاية الأسبوع الماضي مقالاً غاضباً وجه فيه النقد لأداء التحالف العربي في اليمن وسياسة إنشاء المليشيات والتشكيلات المسلحة التي تعيق الحكومة الشرعية من بسط نفوذها على المناطق المحررة وتعمق حالة التقسيم.

 

منذ غادر بن دغر مقعد رئاسة الحكومة ظل الصوت الحكومي اليمن خافتاً وحرص خلفه معين عبدالملك على العمل بعيداً عن ملفي السياسة والأمن وأكد ذلك في تصريح له بداية توليه المهمة أنه سيركز على الإقتصاد والخدمات.

 

حظي مقال بن دغر بتداول واسع على منصات التواصل الاجتماعي وأعاد الرجل إلى الصدارة لأنه عبر عن المخاوف التي يشعر بها ملايين اليمنيين وهم يرقبون الحرب التي تحولت إلى حالة من العبث منعدم الأفق. 

 

بعدها بساعات قليلة وعقب الاشتباكات التي شهدتها مدينة عتق بمحافظة شبوة بين أجهزة أمنية تتبع الحكومة الشرعية وتشكيلات محلية مسلحة تتبع قيادة القوات الإماراتية، خرج معين عبدالملك بتصريحات ناعمة تشبه تصريحات المبعوث الأممي الذي يدعو "جميع الأطراف" إلى التهدئة وتحكيم لغة العقل، وقال إنه يسعى لحل هذه الإشكالات بعيداً عن توظيف القضايا ال،طنية للإثارة والكسب السياسي.

 

صارت العلاقة مع التحالف هي التي تحدد مصير المسؤولين اليمنيين والمدى الزمني الذي يمكن لأحدهم أن يقضيه في منصبه، وبالتالي فإن هذه العلاقة هي التي تحدد السياسة التي ينتهجها أحدهم، فبينما سلك بن دغر طريق الصدام مع الإمارات وانتهت بإخراجه من اللعبة مبكراً فقد كان اختيار معين عبدالملك على أساس علاقته الجيدة بالإمارات والتي تعود إلى سنوات خلت ونسجت خيوطها الأولى تحديداً خلال الفترة التي قضاها معين في أبو ظبي ضمن لجنة صياغة الدستور خلال العام 2014.

 

تسعى كثير من الشخصيات والقوى السياسية اليمنية إلى إقامة علاقات جيدة مع الإمارات ويتقربون إليها بلغة تودد مبالغ فيها لكنهم، في الغالب، لا يصلون معها إلى نهاية الطريق لأن طريقة عملها والأجندات التي تعمل لتحقيقها لا تمنح غطاءاً براقاً لتلك العلاقات، وبقدر ما تتقاطع مع المصالح الطبيعية لليمنيين، فإن إصرارها الواضح على دعم مليشيات وتشكيلات مسلحة تتبنى خيار إعادة تشطير اليمن، وانصرافها عن المعركة الحقيقية إلى توطين نفوذها وهيمنتها على الشواطئ والموانئ والجزر اليمنية يكشف عن أجندة خفية خاصة بالإمارات ولا علاقة لها بالأهداف المعلنة للتحالف العربي.

 

   وربما كانت نقطة الإفتراق الحقيية بين بن دغر والإمارات هي موقفه إبان إنزال قوات عسكرية إماراتية في جزيرة سقطرى وأعلن رفضه لتلك الخطوات بشكل واضح بل إنه رفض مغادرة الجزيرة إلا بعد مغادرة القوات الإماراتية. 

 

 

حينها شنت الآلة الإعلامية الرسمية التابعة للامارات والخلايا الإعلامية التابعة لها حملة شعواء ضد بن دغر، ووجد الرجل نفسه في خصومة مباشرة مع التشكيلات المحلية المسلحة التابعة لها والتي تبسط نفذها علي أجزاء واسعة من عدن والمحافظات المحررة ف يجنوب وشرق اليمن، بل تعرض موكبه لإطلاق نار أكثر من مرة.

 

 

ومنذ تعيين الدكتور معين عبدالملك رئيساً للوزراء والشارع اليمني يترقب باهتمام بالغ على أي بر سترسو علاقته بالإمارات!، فالرجل الذي أكد منذ البداية تركيزه على الجوانب الاقتصادية والتنموية يزاول عمله من معاشيق في ظل هدوء شبه نسبي تشهده مدينة عدن المحاطة بتشكيلات مسلحة أنشأتها وتمولها الإمارات وتديرها من غرفة عمليات قيادة القوات الإماراتية في عدن.

 

 

وبالمقارنة مع حكومة بن دغر فإن مجرد عودتها الى عدن كانت كفيلة بإشعال المدينة وعودة الاغتيالات والتقطعات وإغلاق الشوارع إضافة إلى المواقف المعلنة لقيادة المجلس الانتقالي الرافضة لتواجد حكومة بن دغر في عدن ومناهضتها من خلال الإضرابات والأعمال المسلحة وقطع الطرقات ومنع وتصعيب دخول المواطنين الشماليين إلى عدن وصولاً الى إشعال فتيل مواجهات واسعة شهدتها المدينة نهاية يناير 2018م.



ورغم أن الحسابات الجهوية والسياسية تذهب لصالح بن دغر، فهو جغرافياً جنوبي وسياسياً يعد شخصية وازنة وقادم من حزب المؤتمر الشعبي الذي لا يزال يحتفظ بقواعد في محافظات الجنوب، فقد أبدى الإنتقالي والتشكيلات المسلحة المختلفة مرونة كبيرة في التعاطي مع حكومة معين عبدالملك، ووفقاً لعلاقة الأخير بالإمارات فقد كان هذا واحداً من المكاسب التي يمكن القول إنه حققها من علاقته التي ضحى من أجلها بالتخلي عن الخوض في الملف السياسي والأمني.
 

مصادر خاصة قالت لـ"المصدر أونلاين" إن الدكتور معين عبدالملك ومنذ تعيينه رئيساً للحكومة تلقى عدداً من العروض لزيارة دولة الامارات لكن كل تلك العروض كانت ترفض من قبل الرئيس هادي الذي يرفض الدور الإماراتي الملتبس في المناطق المحررة ودخل بسبب ذلك في خصومة معلنة مع القيادة الإماراتية التي تدعم مليشيات مسلحة خارج القانون وتناهض الشرعية وتقوض حضورها.
 

ومنذ اللحظة الأولى يدرك معين هذا الموقف ويقاربه بحذر وذكاء شديدين وحساسية عالية فهو الموقف الذي قد يودي به من منصبه، وعلى الضفة الأخرى تدرك القيادة الإماراتية حساسية الأمر وتتعامل معه بذات الحذر.
 

وهنا تعود للأذهان تلك التناولات والتحليلات التي رافقت قرار تكليف الدكتور معين رئيسا للوزراء وكيف ذهبت أغلبها الى التأكيد على علاقته القوية مع الامارات الأمر الذي أكدته التهنئة الاماراتية بصدور القرار وهو ما لم يحصل في حالة الدكتور بن دغر.
 

وفيما يتحاشى الخوض في السياسة ينتهز معين عبدالملك كل المناسبات لتقديم الشكر للإمارات والإشادة بدورها في اليمن ففي 21 ابريل الماضي زار رئيس الوزراء مقر قوات التحالف العربي ومكتب الهلال الأحمر الإماراتي في عدن وهو مرتديا الزي اليمني التقليدي.

وأشاد بالجهود الإنسانية التي تقوم بها دولة الإمارات العربية المتحدة في اليمن عبر ذراعها الإنساني الهلال الأحمر الإماراتي، وكرّم مدير الهلال الأحمر الإماراتي المهندس سعيد آل علي رئيس الوزراء.. 



مثل هذه اللقاءات والزيارات لم تتح لرئيس الوزراء السابق ليس لأهمية الزيارة من عدمه ولكن لموقف الامارات المناهض لبن دغر من حيث المبدأ، كما أن للزيارة مدلولات سياسية تتلقفها أدوات الإمارات في عدن وبالتالي ستعود بنتائج إيجابية على موقفها من رئيس الوزراء وطواقم الموظفين الحكوميين التابعين له والسماح له بمزاولة عمله من عدن على الأقل.
 

ولا تزال الإمارات تحتضن وتمول أنشطة خالد بحاح الذي قاد تحركات مناوئة للرئيس هادي أفضى في النهاية الى الإطاحة بالأول من منصبه كنائب للرئيس ورئيس الوزراء الأمر الذي اعتبرته الإمارات استهدافاً مباشراً لها، وعلى هذا الأساس فإن علاقة الإمارات بالمسؤولين اليمنيين تعتمد على مستوى الولاء الذي يمكن أن يقدموه لها وليس لمنظومة الشرعية.
 

ورغم تعويل رئيس الوزراء على الزيارة الأخيرة في إنجاز الكثير من الملفات التنموية التي يقدم نفسه ويقدم أيضاً علاقته بالإمارات من خلالها وهي الوعود التي أكدها وعول عليها إبان طلب الإذن من الرئيس للسماح له بزيارة الإمارات.

 

لكن وبحسب مصادر حكومية فإن النتائج على المستوى التنموي لم تكن كما هو متوقع ولا كما هو معلن عنها في الاعلام، وأبرزها توقيع اتفاق لإنشاء محطة توليد كهرباء في عدن، وهو ذات الموضوع الذي سبق الإعلان عنه قبل أكثر من عام وتم استقدام معدات رشحت الأنباء عن أن هذه المعدات مستخدمة ولن تحدث فارقاً كبيراً في خدمة الكهرباء.

 

وتعيش عدن وبعض المحافظات الجنوبية (سقطرى وشبوة) على صفيح ساخن جراء التصعيد من قبل تشكيلات مسلحة، أنشأتها وتمولها الإمارات، تحاول السيطرة على المؤسسات والمصالح الحكومية الخدمية.

ويفسر الصحفي فتحي بن لزرق التصعيد الأخير في بعض محافظات الجنوب بالقول: "بدأ التوتر بسبب الكلمة التي ألقاها نائب رئيس الوزراء احمد الميسري في الـ 5 من مايو 2019 بقصر معاشيق قبل شهر رمضان بعدة أيام والتي دعا فيها إلى تصويب العلاقة بين التحالف العربي والحكومة الشرعية في اليمن واحترام سيادة اليمن".
 

ومؤخرا أشهرت قوى سياسية ومدنية واجتماعية تحظى بحضور سياسي وشعبي واسع في الجنوب "الائتلاف الوطني الجنوبي" الذي يرأسه الشيخ احمد صالح العيسي الامر الذي عارضه المجلس الانتقالي وحال بتدخل الامارات دون انعقاد مؤتمر الإشهار في العاصمة المصرية القاهرة ليتم لاحقاً الإعلان عن ولادة الائتلاف في عدن.
 

ويمثل الائتلاف حالة قلق لقادة المجلس الانتقالي الذين يقدمون أنفسهم كممثل وحيد للشارع الجنوبي ويتخوفون من سحب الائتلاف للبساط من تحت أقدامهم خاصة وهم يدركون أنهم يستمدون مشروعيتهم من الحضور الإماراتي الذين تربطهم بهم علاقات حميمة ومن سلاحهم ومليشياتهم الممولة إماراتياً.

ويؤكد بن لزرق أن كلمة الميسري وموقفه كان المدخل الأساسي لحالة التوتر اللاحقة التي سادت والتحركات السياسية والعسكرية المختلفة.
 

بن دغر والميسري والبكري والجبواني وعبدالغني جميل وطابور كبير من الوزراء والمسؤولين الحكوميين الذين صار بعضهم ممنوعاً من دخول العاصمة المؤقتة عدن وآخرون يعجزون في كثير من الأحيان عن الوصول لمؤسسات ومنشآت تتبع وزاراتهم بسبب توتر علاقتهم بالحاكم الإماراتي في عدن.


فبينما تتنقل قيادات تيار الإنفصال بين أبو ظبي وعدن على متن طيارات إماراتية فإن وزير الشباب والرياضة نايف البكري ممنوع من دخول مدينة عدن منذ مغادرته لها مطلع العام 2016، وهو الذي يعد أحد أبطال تحرير المدينة وصدر قرار جمهوري بتعيينه محافظاَ لها ليغادرها مجبراً قبل أن يبدأ مهمته.


اليوم صارت محافظة شبوة ميداناً للصراع بسبب إصرار الإمارات على توظيف التشكيلات المسلحة المحلية لها تحت مسمى "النخبة الشبوانية" على ضرب الاستقرار في المحافظة لأسباب عدة من بينها أن المحافظ بن عديو، المحسوب على حزب الإصلاح، لا يدين بالولاء المطلق للإمارات ويرفض أن يسلم المحافظة النفطية لتكون ميدان سيطرة لتيار الإنفصال.