الهجرة

الهجرة تاريخاً... ماذا لو لم يخرج النبي محمد من مكة؟

محمد أبو عرب- رصيف22

تروي حكاية الثورات الفكرية والسياسية تاريخياً، سيرة طويلة من العلاقة المحورية بين تغير الواقع وما يقابله من تحولات على صعيد الهجرات، والترحال. إذ تكاد تكون مجمل الثورات الاجتماعية والسياسية والعلمية قائمة على حركة مقابلة لهجرة العقول المدبرة، والاغتراب بمعناه المرتبط بالجغرافيا. فكيف يمكن الحديث عن الثورة الاجتماعية الدينية التي أحدثها النبي محمد، من دون الحديث عن تاريخ هجرته من مكة إلى المدينة؟ وكيف يمكن الحديث عن الثورة الفرنسية ضد الألمان وما أحدثته، من دون الحديث عن العقول التي أدارت الثورة من العاصمة البريطانية لندن بقيادة "ديغول"؟ يسرد تاريخ الثورات حكاية مقابلة لفكرة التغير والنهوض، وغيرها من اصطلاحات التجديد والتطور، تتمثل بسيرة الاغتراب، ونقل مركزية التحول من البلاد الثائرة إلى بلدان أخرى مجاورة أو بعيدة. إذ يتحقق ذلك عند الوقوف أمام نماذج بارزة من الثورات في التاريخ المعاصر والقديم. فما حققه الثوار الجزائريون في انتفاضتهم على الاحتلال الفرنسي، كان قائماً على أكتاف جماعات حرة اتخذت من مصر مقراً لتحقيق أهدافها. كذلك هي الحال مع ما أنجزه التحول الإندونيسي بجهود أحمد سوكارتو، حين كان يخطط مع جماعته من العاصمة الهولندية أمستردام، وغيرها الكثير من الشواهد.

اغتراب مثمر أم ضياع وشتات؟

تطرح هذه الثنائية القائمة بين الثورة والهجرة قائمة طويلة من التساؤلات التي تضع الواقع اليوم أمام إجابات جديدة لما يجري في العالم العربي. وفي الوقت نفسه، تعيد النظر بتاريخ طويل من التحول والنهوض السياسي والحضاري والعلمي، للكثير من الحضارات في العالم. فما أهمية الهجرة في ظروف تكوين الثورة، وما علاقة الجغرافيا كبعد ذي محمول ذهني في تكوين الشخصيات الثائرة، وهل كان يمكن للكثير من الثورات التحقق لولا جهود المهاجرين القائمين عليها؟ يجيب المفكر والمؤرخ الايراني علي شريعتي عن جانب من هذه التساؤلات، في بحث لمفهوم الهجرة وتاريخها، في كتابه "تاريخ الحضارة". إذ يقول: "إن المجموعة المؤمنة بالتغيير الجديد، إما أن تعرض نفسها للفناء والضياع في أجواء بلدانها الصعبة والمفروضة عليها، أو أن يعملوا بتكليفهم وهو الهجرة الإجبارية للحفاظ على وضعهم وعقيدتهم والسؤال، إلى أين يجب أن يهاجروا؟ والجواب ببساطة هو إلى ذلك المكان الذي لا توجد فيه عوامل وضغوط تسبب الاختناق ومصادرة الحريات حتى يمكنهم أن يحافظوا على أنفسهم في ذلك المكان الجديد وأن يواصلوا العمل والجهاد الذي يأتي بعد مرحلة الهجرة". يفتح شريعتي في خلاصاته هذه، الباب على مفهوم جديد للهجرة، يتجاوز مفهوم الانتقال من بلد إلى آخر، لتصبح فيه الهجرة بحثاً عن المناخ الآمن والمناسب لبداية التغير. فينقل الهجرة من واقعها المألوف، لتصبح منفذاً وباباً لإحداث التغير، وتتجاوز الجغرافيا هنا مفهومها التقليدي، للحد الذي تتحول فيه إلى عقبة أمام الثائرين. فالجغرافيا هنا ليست معزولة عن قائمة النظم الفكرية والاجتماعية والسياسية التي تفرضها السلطة الحاكمة.

الهجرة تاريخاً... شروط نجاح الثورة ومفتاح تحققها
هل يعي القائمون على الثورة أهمية الهجرة، وإلى أي حد تعد الهجرة شرطاً لنجاح أي ثورة؟ هجرة النبي محمد نموذجاً

يشير ذلك الطرح إلى أن الهجرة ليست حالة هروب، بقدر ما هي منفذ للعودة. فهذا ما تسرده سيرة طويلة للثورات، والتحولات في تاريخ العالم. ولا يمكن النظر إلى الثورة بمعناها السياسي أو الاجتماعي أو حتى العلمي، بقدر ما تتسع لتشمل أشكال التجديد كلها. فما الذي دفع النبي نوح للهجرة من بلاده، وما الذي دفع النبي موسى للخروج من أرض مصر، وما الذي أخرج أصحاب الكهف من قريتهم، وغيرها مما تطول القائمة في ذكرهم؟

ماذا لو لم يخرج النبي محمد من مكة؟

تنكشف الحقائق الكامنة في استقراء مفهوم الهجرة، بالوقوف عند نماذج واضحة من الهجرات الثورية الكبرى في التاريخ الإنساني والعربي خصوصاً. شكلت هجرة النبي محمد واحدة من القضايا البحثية العميقة التي توقف عندها المفكرون في قراءاتهم لتاريخ التحول الذي مرت به شبه الجزيرة العربية والعالم الإسلامي لاحقاً، ومن هؤلاء المفكرين محمد عابد الجابري، وعلي شريعتي، وجواد علي، وهشام جعيط وغيرهم. يؤكد هشام جعيط أهمية الهجرة ومحورية دورها في كتابه "في السيرة النبوية - مسيرة محمد في المدينة وانتصار الإسلام". فيقول: "إن عمر بن خطاب، منظم الفتح العربي وأحوال الفاتحين، حدد بداية التقويم بالهجرة، هجرة النبي إلى المدينة، باعتبارها إذن بداية العصر الإسلامي الجديد (622 بعد عيسى المسيح). إلى ذلك جرى تأشير نظام تراتبي لمنح الأموال الناجمة عن الفتوحات الخارجية، بمؤشرات المشاركة في المآثر النبوية الكبرى، على امتداد مراحلها..." ويستكمل: "ففي هذا التراتب الجديد للأمور يجري تغيب المرحلة المكية، لكن ليس على مستوى السلطة السياسية العليا، لأن المهاجرين القرشيين، صحابة الفترة الأولى، هم الذين ورثوا الخلافة المقامة بعد وفاة النبي". ويقارن جعيط بين المرحلة المكية وما تلاها من مرحلة الهجرة إلى المدينة، بقوله: "يمكن بلا ريب أن نعارض مرحلة المدينة بمرحلة مكة، الموسومة بدعوة سلمية، إذ كانت العناصر الأساسية تنامي التنزيل وإرادة الإقناع، كما أنه من المؤكد أن النبي، الساعي دوماً إلى جعل جميع العرب يعترفون بدينه، تعين عليه الاعتقاد بأن الإقناع قد لا يجدي نفعاً، وأنه ينبغي الاعتماد على وسائل هذا العالم، عالمه العربي، خصوصاً، الذي لم يكن يفهم سوى لغة موازين القوى". وتتأكد هذه الرؤية مع ما طرحه المفكر الألماني ماكس فيبر (1864-1920) في قراءته التحليلية الاجتماعية لمشروع النبي محمد وثورته الدينية. إذ أطلق على مرحلة المدينة المنورة للدين الإسلامي، مفهوم "الإسلام المحارب"، الأمر الذي يثبت العلاقة بين صناعة القوة واختيار الهجرة. فما حققته هجرة المسلمين الأوائل، لم يكن ليتحقق لو بقي المسلمون في مكة، وقارعوا سلطة القبيلة والمال التي قادتها زعامات مكة.

فشل الإسلام ظل رهين المدينة المنورة وأهلها

يقول ذلك شريعتي نصاً: "لو بقي النبي محمد في مكة فإنه لم يحقق تلك السيطرة وذلك الحكم حتى لو بقي عشر سنوات أخرى، لأن كل فكرة وحدث جديد سوف يكون غريباً على محيطه ومجتمعه، لما يحمله من أفكار جديدة وعقائد، أعلنت رفضها لشرائط وعقائد ذلك المحيط الذي ولدت فيه". ويقدم شريعتي الخيارات المطروحة أمام الثوار إن قرروا المكوث في بلدانهم، يقول: "في حالة بقاء الثائرين هناك احتمالان موجودان، أحدهما أن يستسلم الإنسان للشرائط الموجودة وبهذا يكون قد ضحى بإيمانه وعقيدته. وإما أن يختار الذلة والعزلة والانزواء، وهذا يعني أن يقدم نفسه ضحية لذلك الوضع".

ماذا لو لم يرتحل العلماء، هل كنا سنصل إلى معالم العصر الحديث؟

لا يقدم هذا الحفر في أهمية الهجرة النبوية قراءة في الحركة المفصلية لتاريخ نشوء الإسلام، وعبقرية العقل الثائر في طرح المنظومة الدينية وحسب، إنما يمثل نموذجاً لسلسلة من الهجرات التي حققت فاعليتها على مختلف الأصعدة. فأصحاب الثورة الروسية كان معظمهم في أوروبا الغربية. وثورة العلم الحديث تكشفت معالم جهودهم بعد تاريخ طويل من الهجرات قام بها العلماء الغربيون بدراسة الأحياء في آسيا، وأفريقيا. وثورة علماء الاجتماع حققت حضورها بعد أن هاجر العلماء تجولاً في مختلف بلدان العالم. والثورة الاقتصادية لبناء أمريكا جاءت بعد هجرات طلب المال والثروة التي قام بها الأوروبيون، وعلى رأسهم البريطانيون. يضع كل ذلك التاريخ واقع الثورات الفكرية والسياسية العربية اليوم في منظور جديد، وضمن حلقة من الاشتراطات المغايرة، التي ينبغي للقائمين على التغيير الالتفات إليها. فهل تجني البلاد العربية ثمار هجراتها بعد أن أهدرت آلاف الأرواح في المحيطات والبحار، وهل يعي القائمون على الثورة أهمية الهجرة، وإلى أي حد تعد الهجرة شرطاً لنجاح أي ثورة؟