قيس بن سعيد

أستاذ جامعي بسيط.. كيف اكتسح "قيس سعيد" انتخابات الرئاسة بتونس؟

لا يزال "لغز" اكتساح المرشح المستقل للانتخابات الرئاسية المبكرة قيس سعيد يثير تساؤلات عديدة لدى جلّ التونسيين؛ فصعوده كان بصورة مفاجئة رغم افتقاره حزاما سياسيا وعدم وجود دعم مؤسسي، ورغم افتقاده إلى ماكينة انتخابية تسندها قوى النفوذ الاقتصادي والسياسي، ورغم رفضه دعم الدولة الموجه للحملة الانتخابية، وغيابه الطويل عن وسائل الإعلام خلال الأشهر الأخيرة.

يُرجع مختصون في سبر الآراء والاتصال السياسي وعلم الاجتماع نجاح الدكتور سعيد إلى "صورته الناصعة لدى الشباب المرتبطة بوفائه للثورة وزهده وأصالته".

فقد استطاع أن يسحب البساط بقوة من الأحزاب السياسية الصاعدة للحكم عقب الثورة، بما فيها حركة النهضة أكبر حزب منظم، معولا على مجموعة من الشباب الذين اشتغل معهم في شقة صغيرة خلال حملته الانتخابية، وعلى سيارة قديمة جاب بها البلاد.

وانتقل الأستاذ الجامعي البسيط -الذي عرفه التونسيون بعد الثورة كمحلل يجيد تأويل القانون الدستوري بلغته العربية الفصيحة- للدور الثاني من الانتخابات الرئاسية بنسبة 18.4%، متبوعا بمؤسس حزب "قلب تونس" نبيل القروي المعتقل بقضية فساد مالي بـ15.58%.

صعود متوقع
يقول حسن الزرقوني رئيس مؤسسة سبر الآراء (سيغما كونساي) -التي استبقت بيوم هيئة الانتخابات معلنة نتائج مطابقة للواقع- إن صعوده "لم يكن أمرا مفاجئا بالمرة"، مذكرا بأن كل نتائج نوايا التصويت قبل فترة الانتخابات وضعته على رأس الفائزين المحتملين.

وليس هذا فقط، إذ حظي قيس سعيد بأغلبية ثقة الناخبين منذ أربع سنوات على الأقل، حسب استطلاعات رأي قامت بها مؤسسته، لكنها جوبهت بحملة تشكيك من قبل أحزاب فشلت في الانتخابات الحالية؛ والسبب هو "حفاظه على صورة جيدة خاصة لدى الشباب".

وبتحليله لكتلة الناخبين الذين صوتوا لصالح قيس سعيد يقول حسن الزرقوني للجزيرة نت إن أغلبهم ينتمون لصف الشباب والطلبة الجامعيين "الذين فقدوا ثقتهم في كل الأحزاب الحاكمة بعد الثورة بسبب فشلها في تحسين ظروف العيش والقضاء على مظاهر الفساد والمحسوبية المتفشية".

وفاء للثورة
كسبه ثقة الناخبين جاء من صورته المرتبطة لديهم بوفائه للثورة ونزعته المحافظة الرافضة للمساواة بالميراث والرافضة لإلغاء عقوبة الإعدام وعقوبة المثلية الجنسية، فضلا عن عزمه على تكريس الحكم المحلي بتعديل الدستور وإشراك المواطنين في صنع القرار عبر الاستفتاء.

من جانبه، يُرجع الخبير في الاتصال صحبي بن نابلية صعود قيس سعيد للدور الثاني إلى زهده وبساطة حملته الانتخابية الخالية من مظاهر التبذير والبهرجة وجاذبية خطابه لفئة الشباب، الذين أنجحوا حملته الانتخابية على مواقع التواصل، وسوقوا صورته من دون تكاليف.

ويتفق المهدي المبروك الباحث في علم الاجتماع ومدير المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات مع ذلك أيضا، ويقول "هو لا يعتمد على أدبياته وخطابه، بل على صورته الجاذبة للعديد من الشباب الذين يعتبرونه شخصا زاهدا في السلطة، ومستقيما ووفيا للثورة، ومنحازا للشعب".

أحزاب متكلسة
ما يميّز صعود قيس الانتخابي هو نجاحه في تعبئة فئة الشباب التي كانت عازفة عن الانتخابات، وتعتبرها "مجرد مسرحية" لإعادة إنتاج منظومة الحكم نفسها، مبينا أن الطرح الذي قدمه غازل أولئك الشبان الذين سئموا من الوعود الزائفة والبرامج الخالية من المصداقية.

ويقول صحبي بن نابلية للجزيرة نت إنه استفاد من حفاظه على نهج خطابه المدافع عن مطالب الثورة، وزهده عن المناصب السياسية، ورفضه تقديم وعود زائفة، على عكس الأحزاب الحاكمة والمعارضة التي فشلت في تحسين الوضع، ولم تجدد خطابها السياسي بما يتناسب مع مطالب التونسيين.

ويرى أن صعود قيس سعيد كرئيس محتمل يعكس بروز ثقافة سياسية جديدة لدى الناخبين الذين سئموا من الأحزاب التقليدية المتكلسة، ومن الصورة النمطية لرئيس الجمهورية، وأصبحوا يحددون اختيارهم على أساس نظافة اليد والاستقامة وتحقيق العدالة الاجتماعية.

خليط كيميائي 
ورغم أن قيس سعيد لم يكن معروفا قبل الثورة بمعارضته النظام، أو مشاركته في الاحتجاجات، أو خوضه إضرابات الجوع آنذاك، فإنه عزز مصداقيته لدى الشباب من خلال التحامه بقوى الثورة للإطاحة بحكومة محمد الغنوشي سنة 2011، ثم ظل وفيا لمطالب الثورة.

ولفهم جاذبيته لدى الشباب، يقول المهدي المبروك للجزيرة نت إن الخليط الكيميائي لجاذبيته ناتج عن مزيج يساري وراديكالي فيه نزعة إسلامية عربية، معتبرا أنه خليط مفقود بين النزعة اليسارية والمحافظة الأخلاقية.

ومن المرتقب أن تجرى جولة ثانية من انتخابات الرئاسة في تونس نهاية الشهر الجاري أو مطلع الشهر المقبل بين المرشح المستقل والأستاذ الجامعي قيس سعيد وبين مرشح حزب "قلب تونس" نبيل القروي الموقوف على ذمة قضية تبييض أموال وتهرب ضريبي بعد الانتهاء من فترة الطعون والحملة الانتخابية للدور الثاني.

المصدر : الجزيرة