هلال الحاج

رفع اسم اليمن عالياً، لكنه مات باحثاً عن العيش الكريم في بلد آخر.. قصة بطل الكونغ فو هلال الحاج

كمال السلامي- المصدر أونلاين

لعل من أسوأ نتائج الحروب، أن تضيق البلاد بشبابها فتدفعهم للبحث عن الكرامة ولو كان ثمن ذلك حياتهم، وهذا للأسف ما وصل إليه الحال في اليمن، بعد خمس سنوات من الانقلاب المأساوي الذي نفذته جماعة الحوثيين المدعومة من إيران على الحكومة الشرعية.

 

 

وبحلول الذكرى الخامسة للانقلاب المشؤوم في 21 سبتمبر 2014، تبدو اليمن في أسوأ حالاتها، فالحرب أتت على الأخضر واليابس، وتقطعت آمال الملايين ليصبح اليأس سيد الموقف، إذ لا شيء هنا يستحق البقاء، من وجهة نظر الكثير من الشباب الذين يدفعهم هذا الحال للمغامرة وركوب الأخطار وصولا إلى بلدان يعتقدون أنهم قد يجدوا فيها ما فقدوه في بلادهم الأم.

 

 

من هؤلاء، هلال علي محمد الحاج، بطل اليمن في فنون "الكونغ فو"، والذي حقق لبلاده العديد من البطولات والميداليات، فبخلت عليه بحياة كريمة، وحالت دون تحقيق الحد الأدنى من أحلامه، ليلقى حتفه غرقاً في لجج البحر الأبيض المتوسط، وهو يحاول الوصول إلى أرض الأحلام، حيث يمكنه العيش بكرامة.

 

 

تقطعت الأسباب بـ"هلال" في وطنه، بالرغم من أنه شاب مفعم بالحياة، مقبل عليها بشكل يبعث البهجة في نفوس من حوله، وفقا لصديقه المقرب جمال الصبري، لاعب المنتخب الوطني للمصارعة، والذي قال لـ"المصدر أونلاين"، إن خبر موته نزل عليه كالصاعقة.

 

 

عقد "هلال" العزم، على الرحيل إلى اسبانيا بطريقة غير شرعية، توجه هو وصديق له يدعى "أكرم"، على متن قارب يملكه مهرب مغربي يوم الأربعاء الماضي، باتجاه جزيرة مليلة الإسبانية، وحينما اقتربا منها طلب مالك القارب منهما القفز وإكمال المسافة إلى الجزيرة سباحة، إلا أنه لم يتمكن من قطعها، بينما نجا صديقه، لتنتهي قصة "هلال" الخاصة، قصة بطل يمني، حقق الكثير من الفخر لبلاده، لكنها بخلت عليه بما يستحقه من تكريم واهتمام ورعاية، أو قل إن شئت انتهى فصل في قصته ليبدأ فصل جديد "قصة جثمانه" وهي قصة أبطالها كثر.

 

 

هلال و"حسن زيد"

بحسب مقربين من "هلال"، كان يفخر كثيرا بحمل علم اليمن عاليا نهاية كل بطولة، حينما يعتلي منصة التكريم، وآخر تلك البطولات، كانت في باكو بأذربيجان، حيث حقق لبلاده الميدالية البرونزية في بطولة فنون الكونغ فو، وحينما عاد إلى صنعاء، كان يظن أنه سيحظى بالتكريم والاهتمام، لكن ذلك لم يحدث، بل إنه لم يحصل على مستحقاته وبدل سفره، بالرغم من أنها حق من حقوقه، ولم يقف الأمر عند هذا، بل وجد نفسه عرضة للتهكم من قبل أحد وزراء حكومة الانقلاب، وفقا لما ورد على لسان شقيقه "سعيد الحاج".

 

 

يؤكد شقيقه "سعيد"، أن الكلمات التي ألقاها حسن زيد، وزير الشباب والرياضة بحكومة الانقلاب الحوثية أثناء ذهاب "هلال"، إليه للمطالبة بمستحقاته، كانت السبب المباشر وراء قراره الهجرة بتلك الطريقة.

 

 

فبعد عودته من أولمبياد التضامن الاسلامي التي حقق فيها "هلال الحاج" الميدالية البرونزية، عاد إلى صنعاء، والتقى بوزير الرياضة بحكومة الانقلاب الحوثية، وخاطبه بالقول: "يا أستاذ حسن هيا با تجيبوا لنا حقوقنا وتكرمونا إحنا رفعنا علم اليمن عالياً؟، فرد عليه حسن زيد قائلا: وأنت من قلك ترفعه، علم اليمن بيرفعوه رجال الله في الجبهات!!".

 

 

يقول شقيقه "سعيد": "هذه الكلمات دفعت هلال للبحث عن وطن يقدر المواهب، وبينما هو يبحث عن الحياة الكريمة والآمنة لقى نفسه شهيداً في غمضه عين".

 

 

رحل "هلال" تاركا خلفه، والده المغترب في السعودية، ووالدته وشقيقه الصغير في اليمن، وشقيقه الأكبر "سعيد" الذي يدرس في مملكة المغرب، وترك الكثير من أصدقائه ومحبيه المصدومين، كما ترك وطنا جريحا، ينهش فيه الانقلابيون، وتتجاذبه المؤامرات الداخلية والخارجية.

(لحظة إعلان فوز البطل اليمني هلال الحاج في احدى المنافسات).

 

مرارة يأس الأبطال

يقول رفيقه المصارع "جمال الصبري": "هلال الحاج بطل اليمن في العديد من بطولات الجمهورية، وصاحب الكثير من الميداليات الذهبية على المستوى المحلي وعلى المستوى الخارجي، حيث حصل على العديد من الميداليات الذهبية في بطولات غرب أسيا والوطن العربي، كما حصد على مستوى آسيا العديد من الميداليات آخرها كانت الميدالية البرونزية في دروة ألعاب التضامن الإسلامي في باكو 2017، إلا أنه وبعد عودته إلى اليمن، لم يحصل سوى على مبلغ لا يتجاوز 300 دولار".

 

 

آخر المشاركات للبطل "هلال الحاج" كانت قبل عام، بحسب رفيقه "الصبري"، والذي استطرد متحدثا عنه قائلا: "هلال ليس بطل اليمن وآسيا فقط، بل أكثر من ذلك انسان شهم ومثابر ولا تمل من الحديث والعيش معه وظريف يدخلك في نوبات هستيرية من الضحك، شجاع يحمل قلب أسد وبريء كروح طفل، وشخص عصامي يعتمد على نفسه منذ مدة طويله ويعمل من أجل توفير مصاريفه ومواصلة تعليمه وهو بالمناسبة طالب في كلية التربية الرياضية و يجمع بين العمل والدراسة والرياضة".

 

 

يؤكد "الصبري" أن خيار الهجرة كان نهائيا بالنسبة لهلال وله أيضا، إلا أن ظروفا حالت دون أن ينضم لرفيقه في رحلة البحث عن الكرامة، بينما مضى "هلال" في طريق الهجرة، بعد أن وصل إلى قناعة لخصها بقوله: "ما عاد لنا عيشه ولا مستقبل باليمن".

 

 

يواصل "جمال" حديثه عن هلال، بكلمات مبللة بالدموع: "نزل خبر موته غرقاً علي كالصاعقة وانفطر قلبي من هول الخبر ولا أستطيع أن استوعب حتى اللحظة أنني أنعي هلال، وأنا أشاهد هذا الكم من الحديث حول صاحبي وأخي أتساءل كل دقيقة..

هل كان سيقرر الهجرة لو حصل على هذا الاهتمام وهو على قيد الحياة ؟! 

ماذا كان سيحدث لو أن الخارجية أو وزارة الشباب استجابت لطلب هلال بالحصول على جواز خاص أو جواز مهمهة وقد حصل عليه كل من هبّ ودبّ؟! 

لماذا يجب أن يموت الشاب المثابر في اليمن من أجل أن نشعر بقدره وقيمته؟! 

لماذا لم يحصل هلال على كل هذا الحب وهواة بطل يستحقه عندما كان يعيش بيننا!؟".

 

 

"الصبري"، قال إنه يغبط هلال على شجاعته، لكنه أيضا موجوع لفراقه، مضيفا: "لكني أصبحت أكره هذا البلد أكثر من أي وقت، وأنا حزين جدا لذلك ولا أخفيكم أن دموعي لا تتوقف وأنا أكتب هذه الكلمات لكنها الحقيقة فالبلد التي يموت فيها الأبطال أمثال هلال ويعيش فيها الأنذال والانتهازيين لا تستحق الحب".

 

 

"جمال" لا يخفي نقمته "على المسؤولين على الرياضة في البلد"، متعهدا بنشر الكثير من الأحداث والمواقف التي تحدث في الكواليس يوما ما، مختتما حديثه بالقول: "أنا ناقم أيضا على جهلنا وضعفنا أمام أمراء الحرب وهم يتحكمون في مصيرنا وكأنهم آلهه ويدمرون مستقبلنا ونحن بلا حول ولا قوة".

 

 

يتوقف حديث جمال ولا تكاد تتوقف دموعه، بينما يكافح "سعيد" شقيق هلال الأكبر للسفر من المغرب الى إسبانيا لتسلم الجثمان، بعد تعاون من وزير الشباب والرياضة في الحكومة الشرعية نايف البكري، ووزير الخارجية محمد الحضرمي، وسفارة اليمن في إسبانيا.