غمدان النخلاني

تعرف على "اللقب" الذي كاد أن يودي بحياة "عريس" في إب اليمنية

تمييز وفرز طبقي واجتماعي تكرسه جماعة الحوثيين بحق المواطنين في المناطق الخاضعة لسيطرتها وسط وشمال اليمن، تستعيد بذلك السير على النهج الذي مارسه الحكم الإمامي قبل ثورة 26 سبتمبر 1962.

 

وكان الهجوم على عرس الشاب العشريني "غمدان محمد حسن النخلاني" بمحافظة إب "وسط البلاد" نموذجاً لذلك السلوك الذي يقسم المجتمع على أساس طبقي إلى "أشراف ووضيعين".

 

الشاب "غمدان" أحد الشباب المكافحين في مسار الحياة اليومية باليمن والتي تمتلئ بالمتاعب والمصاعب الجمة، تربى برعاية والدته، إذ نشأ يتيماً، وتوفي والده بحادث سير في منطقة "مفرق جبلة"، بينما كان هو في الرابعة من العمر، كان عرسه على وشك أن يتحول إلى يوم دام يفقد فيه حياته نتيجة العنصرية المقيتة التي تتعامل بها جماعة الحوثيين مع المواطنين.

 

صبيحة الخميس الفائت كان الشاب "غمدان" على موعد مع اليوم التاريخي في حياته، حيث تجري كافة الاستعدادات والترتيبات للبدء بمراسم الزواج ومغادرة حياة العزوبية إلى عالم جديد، لطالما كان حلماً يسعى ويجتهد لتحقيقه.

 

وبينما بدأت مراسم حفل الزفاف داهم قيادي حوثي في منطقة "دمنة نخلان" بعزلة "عميد الخارج" بمديرية السياني جنوب محافظة إب، واقتحم منزل العريس "غمدان" وروع النساء والأطفال وأفسد فرحة الصغار والأم التي كانت تطير فرحة بهذا اليوم الذي انتظرته طويلاً.

 

كان القيادي الحوثي ومشرف عزلة "عميد الخارج" أبو منتظر محمد عبيدان في مهمة البحث عن الشاب العريس والانتقام منه ووضع حد لتطاولاته التي يرى "أبو منتظر" أنها جريمة تستوجب وضع حد لها لضمان عدم انتشارها في المجتمع.

 

الشاب "غمدان" يعمل في مهنة "الحلاقة" لكسب رزقه، حيث يعمل فيها منذ سنوات ويجمع ما استطاع منها للإنفاق على والدته وأسرته ويرفع ما تبقى في مسعى منه للزواج وتكوين أسرة جديدة، ويحظى بسمعة طيبة في منطقته، وبمجرد أن أبدى إعلانه الاستعداد للزواج وقرب موعد الزفاف تلقى سيلاً من التهاني والتبريكات ولمس استعداداً من المجتمع حوله لمساعدته في كل ترتيبات الزواج كعادة الأرياف اليمنية التي تحاول التشافي من هذه الأمراض المجتمعية.

 

لا يرى "غمدان" عيباً أو جرماً في ممارسة مهنة الحلاقة، ورغم أن عائلته تمارس مهناً خدمية لا يزال جزء من المجتمع يحتقرها إلا أن العائلة ذاتها دفعت بأبنائها إلى المدارس وصار منهم  الطبيب والمعلم والمهندس والضابط والجندي، وتوزعوا في ربوع البلاد، بعد أن منحتهم الجمهورية فرصة لكسر القيد الذي استمر المجتمع وبتشجيع رسمي يفرضه على عائلات محددة.

 

اقترب موعد الزفاف وصبيحة يوم العرس وصلته يافطات التهاني من أصدقائه ومحبيه وأبناء منطقته وكان فيها اسمه ممهوراً بلقب "النخلاني" لقب ينسب به أبناء المنطقة  "دمنة نخلان"، لكن المشرف الحوثي جُن جنونه ورفض أن يطلق اللقب على العريس الذي يعمل في مهنة "الحلاقة" واشتاط غضباً وهدد بحبس وقتل العريس، لمجاراته الأسر التي يراها أحق باللقب من هذا الشاب الذي وجد نفسه في موقف صعب سيفسد يوم فرحه الذي ينتظره بفارغ الصبر ويعمل لأجل هذه الفرحة منذ سنوات.

 

اقتحم القيادي "أبو منتظر" المنطقة والمنزل، وبوشاية من أحد أبناء المنطقة، بحثاً عن "غمدان" غير أن الشاب كان خارج المنزل آنذاك، ولم يجد من وسيلة يبعث بها رسائله وتهديداته غير ترويع الأطفال والنساء وبعض العزل من شباب القرية، ليتجه نحو خيمة العرس ويقوم بقلعها وتمزيق اللافتات واللوحات الخاصة بالعريس ويطلق الرصاص في ساحة الخيمة، متوعدا بأنه إذا أعيدت سيعود مرة أخرى وسيكون "رأس غمدان" ثمناً للّقب الذي ذيل به اسمه، وليكون عبرة للآخرين حد زعمه.

 

تصرفات القيادي الحوثي قوبلت  بسخط شعبي كبير، وردة فعل صادمة للجماعة، حيث أعاد أبناء المنطقة الخيمة، وقاموا بإحياء حفلة العرس بشكل فاجأ الجميع، وأعاد البسمة والفرح مجددا إلى قلب "أم غمدان" وابنها وكل أبناء المنطقة.

 

ولم يقتصر التفاعل والمشاركة في إحياء عرس "غمدان" على أبناء القرية بل امتدت إلى جميع مناطق عزلة "عميد الخارج" بسياني إب، وشهدت المنطقة عرس هو الأول من نوعه في الحضور والمشاركة وكان الجمع الغفير في العرس بمثابة رسالة مجتمعية تنبذ تصرفات وممارسات جماعة الحوثيين التي ترتكز ومنذ تأسيسها على فكرة العنصرية وتقسيم المجتمع إلى طبقات لتسهل السيطرة عليه.