الملاحة الدولية

حادثة "السفن الكورية".. لماذا عاد الحوثيون لاستهداف الملاحة، ومالرسالة التي يريدون إيصالها (فيديو)

يمن شباب نت

عاود الحوثيون نشاطهم العسكري، قبالة ساحل محافظة الحديدة، على البحر الأحمر، من خلال قيام زورقين حربيين تابعين لخفر السواحل، بإجبار ثلاث سفن تجارية كانت مبحرة على بعد 3 أميال من جزيرة عقبان اليمنية، على تغيير وجهتها إلى ميناء الصليف، وذلك في 18 نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري 2019. وكانت واحدة من هذه السفن تحمل العلم السعودي، وتسمى "رابغ 3"، وتقوم بمهمة قَطْر حفار بحري، يحمل العلم الكوري الجنوبي، من ميناء جيزان السعودي إلى ميناء بربرة الصومالي في خليج عدن.
 
لم يتخذ التحالف العربي لدعم الحكومة الشرعية في اليمن، الذي تشارك في مسرح عملياته البحري، السعودية والإمارات ومصر، أي تدابير سريعة لإحباط العملية، واكتفى بنتعتها بأنها عملية إرهابية تستهدف أمن الملاحة البحرية، جنوبي البحر الأحمر، فيما سارعت البحرية الكورية بإرسال سفينة حربية تعمل ضمن حماية سفنها التجارية من القرصنة والسطو المسلح على السفن في خليج عدن وغرب المحيط الهندي، لكنها لم تقدم على أي نشاط عسكري يشي بوجود نوايا لاستخدام القوة أو التلويح بها كاستجابة لهذه العملية.
 


تأتي هذه العملية لتمثل أول عملية يجري فيها اقتياد سفن تجارية، بذريعة ممارسة أعمال "تمس الأمن الوطني، وتنتهك السيادة اليمنية"، على حد وصف الحوثيين، خلافا لعمليات سابقة هاجموا فيها بالصواريخ والزوارق المفخخة المسيرة من بعد، سفينة الإمداد الإماراتية "سويفت"، ومحاولة استهداف سفن حربية أمريكية، شمال شرق مضيق باب المندب، في أكتوبر/ تشرين الأول 2016. واستهداف الفرقاطة السعودية "المدينة"، في يناير/ كانون الثاني 2017.



إلى ذلك فإن هذه العملية تأتي في ظرف سياسي يجري فيه الحديث عن تقارب سعودي حوثي، عبر مفاوضات غير مباشرة، ترمي إلى وقف العمليات الجوية لطائرات التحالف، والعمليات العسكرية البرية على الحدود السعودية اليمنية، وفتح مطار صنعاء الدولي أمام الملاحة الجوية الدولية، في مقابل توقيف الحوثيين استهداف المدن السعودية بالصواريخ والطائرات المسيرة من بعد، الذي شرع فيه الحوثيون فعلا منذ منتصف سبتمبر/ أيلول 2019، كمبادرة من طرفهم، وطالبوا بعد ذلك السعودية بالرد عليهم بإيجابية، وبشكل عملي وعلني.
 

لقد أثير الكثير من الجدل حول الكيفية التي تمكن بها الحوثيون من مراقبة ورصد حركة وإجبار هذه السفن على التوجه بها نحو ميناء الصليف، دون علم التحالف بذلك، وهل هنالك دور إيراني في هذه العملية، لا سيما أن إيران قامت في يوليو/ تموز 2019، بنشاط مشابه، تمثل في احتجار ناقلة نفط بريطانية بمضيق هرمز، مع ما يثار من جدل حول قدرة الحوثيين على تحكم الحوثيين في حركة السفن في البحر الأحمر، واستخدام ذلك كورقة ضغط لتحقيق مكاسب سياسية.
 

الواقع أن مسألة تحديد حركة السفن في البحر أمر غاية في السهولة؛ حيث يمكن تحديد هويتها وموقعها واتجاهها وسرعتها، من خلال مواقع إلكترونية لمنظمات بحرية توفر هذه الخدمة، علاوة على أن الحوثيين يديرون المركز الإقليمي البحري لتبادل المعلومات بصنعاء، بكل ما يتمتع به من بنية مادية، تقنية وبشرية، تتيح لهم استخدامها في خدمة نشاطهم العسكري البحري، بعد مقاطعة التحالف التعامل مع المركز، والاضطلاع بالمهمات التي كان يؤديها، في إطار مكافحة مختلف أنماط التهديدات الأمنية غير التقليدية، في البحر الأحمر وخليج عدن.
 

جدير بالذكر، أن هذا المركز أنشئ بدعم من المنظمة البحرية الدوليةInternational Maritime Organization(IMO) لغرض تنسيق التعاون وتبادل المعلومات حول مكافحة القرصنة والسطو المسلح على السفن، في خليج والبحر الأحمر، عدن، وغربي المحيط الهندي، ضمن ما يعرف بمدونة سلوك جيبوتي لعام 2009، المعنية بهذا الشأن، والتي حدثت مطلع عام 2017، بموجب ما سمي بتحديث جدة لعام 2017، الذي شمل إلى جانب مكافحة القرصنة والسطو المسلح على السفن، مكافحة تهديدات الجريمة المنظمة العابرة للحدود من خلال البحار، والإرهاب البحري، وأنشطة بحرية غير مشروعة أخرى، مثل: الصيد غير القانوني بكافة أنواعه، وتهريب وسرقة النفط الخام، والتلوث البحري.
 

بناء على ما سبق، فإن تحديد الحوثيين لحركة أي سفينة تجارية قبالة السواحل اليمنية والسيطرة عليها أمر سهل؛ حيث يجري ذلك بواسطة نظام تحديد الهوية الآلي (AIS) Automatic Identification System، الذي يوفر مجموعة من البيانات عن السفن، ويتيح تتبعها، وهذا النظام موجود في الموانئ اليمنية، وفي مناطق ساحلية؛ حيث تضطلع بخدمة مرور السفن في عرض البحر.
 

فيما يبدو أن هذه السفن صادفت طقسا سيئا، دفعها للاقتراب من البحر الإقليمي اليمني الخاضع للحوثيين، مع اطمئنانها لوجود سفن التحالف العربي التي تجوب المنطقة، في إطار مهمات الحصار البحري، ومكافحة تهريب الأسلحة إلى الحوثيين؛ فكان أن أوقعها ذلك في قبضة الحوثيين، الذين لديهم قد يكون لهم علم مسبق بحركتها ونوعها ووجهتها، منذ تحركها من ميناء حيزان، وبذلك تمكنوا من السيطرة عليها، واقتيادها بسهولة ويسر إلى ميناء الصليف.



لقد انتزع الحوثيون بهذه العملية، مكسبا إعلاميا كبيرا، شحذوا به همم مقاتليهم في الجبهات، ورفعوا من رصيدهم الشعبي الآخذ في التدني؛ نتيجة لممارساتهم القمعية، وسوء إدارتهم للمناطق الواقعة تحت سيطرتهم، وقد عزز هذا المكسب تناقل خبر العملية من قبل وكالات أنباء وقنوات تلفزيونية عالمية، مع ما حققه ذلك من توجيه رسائل سياسية إلى التحالف والدول الكبرى، بأن خيار السلام هو السبيل المثل لحل الأزمة اليمنية، ما دام الحوثيون يتمتعون بالقدرة على المبادرة، والتعامل بندية مع دول التحالف، رغم تفوق قوتها العسكرية.

[إقرأ أيضاً.. أدوار متوقعة للسواحل اليمنية لمواجهة التحكمات الإيرانية في مضيق هرمز (تحليل خاص) ]

وفي هذا التحليل يتبقى الإشارة إلى التدابير التي ينبغي أن يقوم بها التحالف، لمنع تكرار مثل هذه العلمية، لا سيما ان الأشهر القادمة ستسوء فيها أحوال الملاحة البحرية في البحر الأحمر وخليج عدن؛ بفعل تغير حركة الرياح، وتصاعد قوة الأمواج، وذلك ما قد يدفع السفن إلى تجنب الملاحة في أعالي البحار، والاقتراب من البحر الإقليمي اليمني، ويضاعف ذلك ضيق عرض البحر الأحمر كلما اقترب من باب المندب.
 

من بين التدابير المقترحة، مرافقة السفن البطيئة الحركة، مثل ناقلات النفط، والسفن التي تقوم بعمليات القطر، والسفن الأخرى الكبيرة، بواسطة سفن حربية، وتحاشي الملاحة في البحر الإقليمي اليمني الواقع تحت سيطرة الحوثيين، وسيعزز ذلك، إلى جانب ضعف قدرة الزوارق الحربية الحوثية في التوغل في العمق، حالة الأمن والسلامة لهذه السفن وطواقمها؛ إذ أن أقصى ما لدى الحوثيين، في الوقت الراهن، من زوارق حربية، لا تتعدى قدرتها الإبحار في إطار ما يسمى "الملاحة الساحلية"، أي في ضمن البحر الإقليمي اليمني، في حدود 6 إلى 12 ميلا بحريا.
 

ولا شك ان تعزيز الدوريات السريعة قبالة الساحل الغربي اليمني، تهيئ ظروفا آمنة للملاحة، فضلا عن اكتشاف واستطلاع نشاط الزوارق الحوثية، الحربية والمدنية، التي عادة ما تنشط في عمليات التهريب المختلفة، ومن ذلك ما كشف عنه في منتصف هذا الشهر، نوفمبر/ تشرين الثاني 2019، من إلقاء القبض على زورق تقليدي على متنه طن ونصف من مادة السماد المستورد، التي تستخدم في أغراض عسكرية بحتة، من أبرزها صناعة المتفجرات.
 

?????¹???? ?????§???????°???????¨*على الذهب: دكتوراه في تكنولوجيا النقل البحري، ومحلل سياسي في الشئون الاستراتيجية والعسكرية، وكاتب دراسات في مراكز أبحاث عربية.

 
نسعد بمشاركتك
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص