كورونا

"أكبر جائحة في التاريخ"... قصة وباء الإنفلونزا الذي أصاب 500 مليون شخص

صنفت منظمة الصحة العالمية، في الحادي عشر من آذار/ مارس الجاري، فيروس كورونا المسبب لمرض "كوفيد 19"، وباء عالميا (جائحة)، في الوقت الذي تجاوز فيه عدد المصابين بالفيروس جميع التوقعات.

الوباء كلمة مفزعة، لكن العالم شهد من قبل أوبئة أسوأ من كورونا، كان أكثرها فتكا خلال المائة عام الفائتة؛ "جائحة الإنفلونزا عام 1918"، والذي غالبا ما يُشار إليه خطأ باسم "الإنفلونزا الإسبانية". 

"أكبر جائحة في التاريخ"

في 1918 أصاب وباء الإنفلونزا حوالي نصف مليار شخص(500 مليون شخص أصيبوا بالعدوى وأظهروا علامات إكلينيكية واضحة،)، ويُعتقد أن ما بين 50 و100 مليون شخص لقوا حتفهم، أي ما يصل إلى 5 في المائة من سكان العالم، ما دفع البعض إلى وصفها بأنها "أكبر جائحة في التاريخ".

الأمر المثير للدهشة في هذا الوباء، كان ميل الفيروس إلى حصد أرواح الشباب الأصحاء بخلاف الأطفال وكبار السن الذين يعانون أكثر من غيرهم في مثل هذه الحالات. 

ولا يعرف العلماء لماذا كان الشباب الأكثر تضررا من وباء الإنفلونزا، لكنهم يعرفون أن كبار السن - المعرضين عادة بصورة أكثر للوفاة جراء الأنفلونزا - كانت وفياتهم أقل خلال الوباء. 

وعن ذلك يقول عالم الأحياء مايكل ووروبي من جامعة أريزونا الامريكية:

"لديك وباء الإنفلونزا الأكثر فتكا في التاريخ الذي يترك كبار السن، أكثر ضحايا الإنفلونزا عرضة للوفاة". 

وكانت جائحة إنفلونزا 1918 مثارا للمضاربة خلال القرن الماضي، إذ قدَّم المؤرخون والعلماء العديد من الفرضيات حول أصلها وانتشارها وعواقبها. 

سيناريو نهاية البشرية..

انتشر وباء إنفلونزا عام 1918 بسرعة، ما أسفر عن مقتل 25 مليون شخص في الأشهر الستة الأولى فقط، ودفع البعض إلى الخوف من سيناريو نهاية البشرية، ورفع من فرضية أن سلالة الإنفلونزا كانت مميتة بشكل خاص.

ومع ذلك، تشير دراسة حديثة إلى أن الفيروس نفسه، على الرغم من أنه أكثر فتكا من سلالات أخرى، لم يكن مختلفا بشكل أساسي عن تلك التي تسببت في أوبئة من قبل. 

وقد جاءت الوفيات نتيجة الوباء في ثلاث موجات؛ كانت الأولى في النصف الأول من عام 1918 منخفضة نسبيا.

وفي الموجة الثانية، من أكتوبر حتى ديسمبر من نفس العام، سُجلت أعلى معدلات وفيات. بينما كانت الموجة الثالثة في ربيع عام 1919 أكثر فتكا من الموجة الأولى وأقل من الموجة الثانية.

ويعتقد العلماء -الآن- أن الزيادة الملحوظة في الوفيات في الموجة الثانية كانت بسبب الظروف التي فضَّلت انتشار سلالة أكثر فتكا من المرض.

إذ بقي الأشخاص الذين يعانون من إصابات خفيفة في منازلهم، في حين تكدَّس أولئك الذين يعانون من الحالات الشديدة في المستشفيات والمخيمات، ما أدى إلى زيادة انتشار شكل أكثر فتكًا من الفيروس.

لكن، لماذا كل هذه الوفيات؟  

تتشابه جميع أوبئة الإنفلونزا -غالبا- في أصولها، إذ بدأت موجات الانفلونزا في الفترة ما بين 1918 إلى 2009، بطريقة ما بسبب فيروس إنفلونزا حيواني المنشأ تطور ليصبح قادرا على الانتشار ونقل العدوى من شخص لآخر.

في الواقع، نجت الغالبية العظمى من الأشخاص الذين أصيبوا بإنفلونزا 1918، إذ لم تتجاوز معدلات الوفيات بين المصابين 20 في المائة.

ومع ذلك، اختلفت معدلات الوفيات بين المجموعات المختلفة، ففي الولايات المتحدة، كانت الوفيات مرتفعة بشكل خاص بينالسكان الأمريكيين الأصليين، ربما بسبب انخفاض معدلات التعرض لسلالات الإنفلونزا السابقة. وفي بعض الحالات، أبيدت مجتمعات بأكملها.

كما يُعتقد -الآن- أن العديد من الوفيات كانت بسبب تطور الالتهاب الرئوي البكتيري في الرئتين التي أضعفتها الإنفلونزا، إذ لم يكن في عام 1918 علاجات محددة مضادة للفيروسات متاحة خلال وباء الإنفلونزا - وحتى الآن- إذ تهدف معظم أنواع الرعاية الطبية للإنفلونزا إلى دعم المرضى بدلا من علاجهم.

ويقدم العلماء عدة تفسيرات محتملة لارتفاع معدل الوفياتبسبب الوباء، وقد أظهرت بعض التحليلات أن الفيروس قاتل بشكل خاص لأنه يسبب ما يعرف بـ"عاصفة السيتوكين"، والتي تخرِّب نظام المناعة الأقوى لدى الشباب. 

وتشير إحدى فرضيات ارتفاع أعداد الوفيات -آنذاك- إلى أن العديد منها يمكن أن يعزى بالفعل إلى تسمم الأسبرين، فقد أوصت السلطات الطبية في ذلك الوقت بجرعات كبيرة من الأسبرين تصل إلى 30 جراما في اليوم.

بينما يعتبر حوالي أربعة جرامات الجرعة اليومية القصوى الآمنة، ويمكن أن تؤدي الجرعات الكبيرة من الأسبرين إلى العديد من أعراض الوباء، بما في ذلك النزيف.

وقد جد تحليل يعود لعام 2007 أن العدوى الفيروسية لم تكن أكثر قوة من سلالات الإنفلونزا السابقة، لكن ما أدى إلى الارتفاع الكبير في الوفيات الازدحام في المخيمات الطبية والمستشفيات وسوء النظافة الصحية ما عزز العدوى البكتيرية الإضافية، وكذلك سوء التغذية والصرف الصحي، الذي عانى منه السكان خلال زمن الحرب. 

 

ربما لا يبدو العالم أفضل استعدادا اليوم مما كان عليه في 1918، إذ تميل الأوبئة الشديدة إلى الحدوث كل بضعة عقود، وآخرها كورونا المستجد. 

لكن العلماء يعرفون اليوم المزيد عن كيفية عزل ومعالجة أعداد كبيرة من المصابين والمرضى المحتضرين، ويمكن للأطباء وصف المضادات الحيوية، التي لم تكن متاحة عام 1918، لمكافحة الالتهابات البكتيرية الثانوية.