الحوثيون وإيران

الغش الكامن في الاكتفاء بتعريف الحوثيين بدلالة علاقتهم بإيران.. تقرير "الأزمات الدولية" نموذجاً

في تقرير مجموعة الأزمات الدولية، الصادر في 2 يوليو الجاري تحت عنوان "إعادة التفكير في كيفية تحقيق السلام في اليمن"، بل وفي معظم التقارير الدولية، يتم وصف المجلس الانتقالي الجنويي بـ"الانفصالي" المدعوم من الإمارات، وهذا الوصف لا يجانب الحقيقة، فهو انفصالي بموجب أدبياته وخطابه المعلن.

 

ويقال عن حكومة هادي "الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا والمدعومة من السعودية". وهذا أيضاً تعريف لا يجافي الحقيقة من حيث ما هو معلن ورسمي.

 

أمّا الحوثيين فيتم تعريفهم، في تقارير المنظمات والصحافة الخارجية، بدلالة علاقتهم بإيران فقط، فيقال جماعة الحوثي المدعومة من إيران، في مقابل بقية الأطراف المدعومة من السعودية وتحالفها في اليمن. وكأن هذا التعريف للحوثيين يغني عن أي تعريف آخر بمضمون سياسي داخلي للصراع.

 

وهذا غش وتضليل. فمثلما أن قضية المجلس الانتقالي هي "الانفصال"، ومثلما أن قضية حكومة هادي المعترف بها دولياً هي "الشرعية الدستورية"، فهل يقاتل الحوثيين فقط من أجل إيران وفي سبيل إيران أم أن لديهم قضيتهم السياسية الداخلية التي يُسخِّرون علاقتهم بإيران لتحقيقها؟

 

بالتأكيد لديهم قضيتهم السياسية وبرنامجهم.

إذن، ما هي قضيتهم السياسية الداخلية منذ 2004؟

 

باختصار هي: إعادة نظام الإمامة الزيدية، النظام الثيوقراطي الذي أُطيح به في 26 سبتمبر 1962. إنّ مركز حركتهم، ولبّ معتقدهم السياسي والديني، هو الإمامة بمفهومها الزيدي التاريخي، مع رؤية إحيائية تضيف لها بعض التعديلات على مستوى النظرية والممارسة.

 

وبالتالي، مثلما يقال: المجلس الانتقالي الجنوبي "الانفصالي"، وهو تعريف بدلالة القضية التي يحملها، فالتعريف الأصوب للحوثيين يجب أن يكون بدلالة قضيتهم ومشروعهم السياسي الداخلي، فيقال "جماعة الحوثي الإمامية".

 

لماذا يعجز الخارج حتى الآن عن إدراك هذه المسألة البسيطة؟

هل يعقل أن علاقة الحوثيين بإيران هي كل ما يميزهم في الداخل عن بقية الأطراف اليمنية؟

هذا لا يعقل.

 

قد يقال أن الحوثيين لا يعلنون قضيتهم هذه بصراحة كما يفعل الآخرون. 

لكن هل هذا هو المعيار الدائم لتوصيف جميع الحركات والظواهر وتعريفها؟ وهل يعلن الحوثيون أنهم وكلاء أو عملاء لإيران أصلاً؟ فكيف تعرّفونهم بعلاقة تبعية لا يعترفون بها؟ ما يعلنه الحوثي هو أنه يمثل اليمن في حرب من أجل السيادة الوطنية المنتهكة من قِبَل عدوان خارجي تقوده السعودية!

 

الحوثي لا يقول أنا إمام، ولا يقول أنه وكيل لإيران. هذا صحيح. لكن أقل معرفة بالثقافة السياسية اليمنية، وأقل معرفة بخطاب الحوثيين اليومي وشعاراتهم ورموزهم ومناسباتهم وخلفياتهم التاريخية ومسميات وألقاب زعيمهم، تدل صراحة على أن قضيتهم هي الإمامة، وهي في التاريخ اليمني الحديث نقيض النظام الجمهوري الذي نشأ عام 1962 في صنعاء.

 

هل نحن في نظر الخارج قاصرين لكي يكون لدينا الحق في الحديث عن "جمهورية" ضاعت؟ هل هذه المفاهيم والتعريفات فوق مستوانا الحضاري؟ لقد كانت جمهورية على أية حال، جمهورية تشبهنا.

 

سيقال أن وصف الحوثيين بالإماميين لن يُحدث فارق على صعيد فهم الصراع وتقدير محصلته النهائية! 

 

بالعكس، إذا كان هناك من مدخل صحيح لفهم الصراع اليمني والتفكير في صيغة حل ممكنة، فهو أن يبدأ الوسطاء الأممين بطرح موضوع الإمامة صراحة كقضية تخص الحوثيين، واختبار قابليتهم للذهاب في تسوية سياسية من خلال ما لديهم من تصورات حول هذه المسألة:

 

ما معنى "قائد الثورة" في حال دخلتم في تسوية سياسية شاملة بحسب ما تظهرونه من استعداد؟

ما معنى "الولي العَلَم"؟

وما معنى "عَلَم الهُدى"؟

ما هي الترجمة السياسية في الواقع الحي لاحتفالكم بما تسمونها "ذكرى الولاية"؟

باسم ماذا دخلتم صنعاء وألقيتم بخصومكم في السجون وتوجهتم لغزو المدن والمناطق؟

 

إن رواية وطنية للصراع من شأنها أن تخبرنا كيف أن للمعضلة الحوثية أصول في التاريخ السياسي والاجتماعي للبلاد، أقدم من ثورة الخميني ومن المحور الإيراني ومن التدخل العسكري بقيادة السعودية.

 

هذا لا يعني أن الحوثيين بعيدون عن ديناميات صراع المحاور. ما نقصده هو أن النظر إلى الأمور من هذه الزاوية وحدها، لا ينطوي على إمكانية تفسيرية عالية الجودة. 

 

وقد تتوسع بعض التقارير والمقالات التي يكتبها مراقبون أجانب، فتشير إلى أن الحوثيين من "الأقلية الزيدية". إلّا أن كونهم زيديو المذهب ليس ذو مغزى من دون أن تكون "الإمامة" أو "الولاية" هي حجر الزاوية في برنامجهم السياسي. 

 

كون الحوثيين "إماميين" هو الذي يعني الكثير من وجهة نظر تاريخية واجتماعية يمنية: تفعيل الإمامة تحت أي مسمى، يعني، على الأقل، تفعيل الإنقسام المذهبي بين "زيدية" و"شافعية"، وبالتالي "شيعة" في مقابل "سنة". وتفعيل الإمامة يعني تفعيل انقسام عرقي موروث بين "العدنانية" و"القحطانية". وتفعيل الإمامة يوقظ ذكريات الماضي المظلم الطويل من تشرذم سياسي وحروب وعداوات وضغائن وتدخلات خارجية.

 

إذا لم يطرح الحوثيين قضية "الإمامة" في لقاءاتهم مع المبعوث الأممي ومع الباحثين والدبلوماسيين الأجانب، حتى اليوم، فهذا يعني بكل بساطة أن الحوثيين يضحكون عليهم.

 

طالما لم تطرح هذه القضية بوضوح في المداولات السياسية، فالحديث عن تسويات وحلول من أي نوع سيكون محض هراء بيروقراطي روتيني لموظفين يتقاضون لقاء ذلك أجوراً عالية.