نيويورك تايمز: حسني مبارك حر داخل زنزانة

الحياة ليست قاسية للغاية على الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك. ففي المستشفى التي يعتبرها منزله بالقاهرة، يتلقى مبارك باقات الورود والصحف ووجبات الطعام من المطاعم؛ كما تزوره زوجته وأبناؤه وأحفاده ويتمتع بمشهد النيل الرائع.

 

وفي الذكرى الـ88 لمولده تجمّعت حشود من المهنئين أمام بوابات المستشفى، حيث قاموا بالغناء والرقص ورفع صور مبارك والتلويح له. وقام مبارك في المقابل بفتح النافذة والتلويح لتلك الحشود.

 

ومع ذلك، فإن المتعة الوحيدة التي لا يحظى بها مبارك - بحسب تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز الأميركية - هي حقه في الخروج من المستشفى، وهو أمر يمثل لغزاً. ففي مايو/أيار 2015، أصدر أحد القضاة حكماً ينص على أن مبارك قد استكمل مدة عقوبته البالغة 3 سنوات بتهمة الفساد، خلال المحاكمة الوحيدة الناجحة التي خضع لها منذ خلعه عام 2011. فمن الناحية القانونية، هو رجل حر.

 

ومع ذلك، يظل مبارك محتجزاً بغرفته بالمستشفى التي لا زالت بمثابة زنزانة على مدار السنوات الثلاث الماضية، حيث تتواجد الحراسة على باب الغرفة. ويستمر المأزق القانوني رغم قيام العديد من حلفائه السابقين الذين حققوا الثروات الطائلة خلاله فترة حكمه بعقد صفقات مع الحكومة لإلغاء الأحكام الصادرة ضدهم.


صفقة مع القيادة العسكرية

وقد رفض فريد الديب، محامي مبارك خلال تلك الفترة، إجراء أي لقاءات صحفية. ومع ذلك، يوضح العديد من أصدقاء مبارك، ومن بينهم هؤلاء الذين يزورونه بالمستشفى، الموقف باعتباره صفقة مبرمة بينه وبين القيادة العسكرية القوية في مصر.

 

ويرى هؤلاء أن القيادة العسكرية متساهلة بصفة عامة مع شخصيات عصر مبارك منذ تولي الرئيس عبدالفتاح السيسي السلطة عام 2014، ولكنها تريد تجنب الاحتجاجات المحتملة التي قد تصاحب إطلاق سراح مبارك. ولذا توصل الطرفان إلى تسوية: يوافق مبارك على البقاء بالمستشفى حالياً وتوافق الحكومة على أن يظل ابنائه رجل الأعمال علاء ووريث التركة السياسية جمال مطلقي السراح، حيث تم إطلاق سراحهما خلال العام الماضي.

 

وذكر يسري عبدالرازق، المحامي المتطوع للدفاع عن مبارك: "نقطة ضعفه تتمثل في ابنيه. وحينما يتحدث لجمهور العامة تنزعج السلطات للغاية".

 

وأضاف عبدالرازق أنه حصل على موافقة مبارك قبل أن يتحدث مع أحد الصحفيين وقام بتصوير نفسه بالهاتف واقفاً بجوار الرئيس السابق الذي يبدو غاضباً داخل غرفته بالمستشفى.

 

ويعد التأمين والعلاج الطبي عاملين آخرين لبقاء مبارك داخل المستشفى، بحسب ما ذكره الأصدقاء. ورفض المتحدث العسكري التعليق حول إمكانية ترتيب ذلك مع مبارك.


ديكتاتور كفؤ

ويعد المأزق القانوني لمبارك بمثابة انعكاس للمكانة التي يشغلها بالحياة العامة في مصر بعد 5 سنوات من اندلاع الاحتجاجات التي أدت إلى انتهاء فترة حكمه. ولا يزال العديد من المصريين يمقتونه باعتباره رمزاً للمحسوبية والقمع اللذين أصابا مصر على مدار عقود. ويعد سجنه أحد الانتصارات الأخيرة التي حققها قادة ثورة 2011، الذين يقبع بعضهم حالياً في سجون السيسي.

 

ومع ذلك، بدأ آخرون يمعنون النظر في فترة حكم مبارك ويشعرون بالحنين إليها، باعتبارها فترة سادت خلالها الحرية النسبية مقارنةً بالاستبداد الشديد الذي يمارسه السيسي.

 

وذكر أسامة دياب، الباحث في قضايا الفساد بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية: "كان مبارك فاسداً بالطبع ولكنه كان يعلم كيف يتلقى النصيحة الجيدة. والآن، الأمر كارثي. فقد كان مبارك ديكتاتوراً كفؤاً، على النقيض من السيسي".

 

ومع تراجع مشاعر الكراهية ضد مبارك، تنحسر أيضاً مشكلاته القانونية.

 

فقد انتهت بالفعل لحظات الإحباط التي اضطر خلالها أن يجلس داخل القفص بالمحكمة خلال عامي 2012 و2013. فقد تجنب المحاكمة بشأن الاتهامات الأكثر خطورة، مثل قتل المتظاهرين عام 2011؛ ويواجه حالياً إعادة محاكمة في قضية أخيرة.

 

ويقضي مبارك أيامه بمستشفى المعادي العسكري المطل على النيل. ويذكر أحد مسؤولي الأمن أن التأمين شديد وتتولى وزارة الدفاع فحص جميع الزوار. ويتحدث مبارك في هاتفه المحمول (لديه هاتف نوكيا قديم غير متصل بالإنترنت) ويستقبل حلاقاً من حين لآخر كي يصبغ له شعره. وتراه الممرضات أحياناً يتجول بالردهة كجزء من علاج حوضه الذي تعرض للكسر حينما سقط بدورة المياه عام 2013.


لا يشعر بالندم

وكثيراً ما يتلقى مبارك الزهور من المعجبين والزيارات من زوجته سوزان وابنيه وأحفاده ودائرة ضيقة من أشد المعجبين. ويُذكر أن حالته المعنوية تتقلب بين الروح المعنوية المرتفعة إلى التذمر والغضب الشديدين. ويسخر مبارك من حلفائه الذين تخلوا عنه ولا يشعر بالندم على سنوات حكمه البالغة 29 عاماً.

 

وذكر حسن غندور، أحد قيادات الحرس الجمهوري السابق وصديق مبارك: "يشعر بالتعرض للخيانة. وحينما يرى النقاد على شاشات التلفزيون ممن كانوا يتقربون إليه يشعر بالاستياء الشديد".

 

كان مستشفى المعادي العسكري مسرحاً للمآسي السياسية الأخرى. ففي عام 1980، توفي شاه إيران به بالطابق الواقع أسفل طابق مبارك بعدما فر إلى مصر بعد اندلاع الثورة في إيران. وفي العام التالي، تم نقل الرئيس المصري أنور السادات إلى المستشفى بعد تعرضه لطلقات نارية على يد ضباط إسلاميين خلال العرض العسكري. وتوفي خلال ساعات ممهداً الطريق أمام مبارك لتولي حكم البلاد.

 

وذكر عبدالرازق أن مبارك يعي جيداً ما تركه وراءه من إرث، وقد انزعج للغاية لإدانته بالفساد. وعاد مبارك إلى دائرة الضوء من جديد في العام الماضي، حيث أجرى محادثة هاتفية على مدار 15 دقيقة مع أحد البرامج الحوارية بالتلفزيون. وبعد ذلك، تم تشديد الحراسة والتأمين على غرفته بالمستشفى.


التساهل مع رموز مبارك

ومنذ تولى السيسي مقاليد الحكم عام 2013، تساهلت الحكومة والمحاكم إلى حد كبير مع الشخصيات ذات النفوذ خلال عصر مبارك – أباطرة الأعمال والوزراء والأصدقاء الذين تم تبرئتهم أو إطلاق سراحهم حالياً – بما يؤكد حدود التغيير الشديدة التي ألمّت بمصر منذ عام 2011.

 

ففي القضية الأخيرة، ألغت محكمة الاستئناف حكماً بالسجن لمدة 5 سنوات في 4 مايو/أيار ضد أحمد نظيف، الذي تولى رئاسة الوزراء في ظل حكم مبارك فيما بين عامي 2004-2011. ويسعى آخرون وراء شراء حرياتهم بمقابل مادي.

 

ووافق محامي حسين سالم، رجل الأعمال الملياردير وصديق مبارك المخلص الذي فر إلى إسبانيا عام 2011 على تحويل 75% من ثروته (5.5 مليار جنيه مصري أو نحو 626 مليون دولار وفقاً لسعر الصرف الرسمي) مقابل إلغاء حكمين صادرين ضده بالسجن لمدة 7 سنوات و15 سنة.

 

وذكر المحامي محمود كبيش: "تمت الصفقة من جانبنا. والآن ننتظر دور الحكومة".

 

وذكر عادل السعيد، رئيس هيئة الكسب غير المشروع التي تتولى إبرام مثل تلك الصفقات، أنه تلقى أكثر من 30 طلب تسوية من رجال أعمال ومسؤولين سابقين على صلة بمبارك.

 

وذكر مسؤول آخر بهيئة الكسب غير المشروع أن مبارك أيضاً كان يأمل في عقد صفقة، يقدم بموجبها نحو 10 ملايين دولار مقابل إلغاء حكم الإدانة الصادر ضده في قضية الفساد.

 

ومن غير المحتمل أن تنجح تلك الصفقة قريباً، ويعتقد القليلون أن مبارك سيتوجه إلى قصره في شرم الشيخ قريباً. ومع ذلك، قد يرغب في إعادة صياغة إرثه وإلغاء حكم الإدانة ضده حتى تستعيد له الدولة شرفه وكرامته وتكفل له جنازة رسمية.

 

وذكر الباحث دياب: "ما يهم الآن بشأن مبارك هو ما سيكتبه التاريخ عنه. فحينما يموت، سينتهي الجدل حول ما إذا كان لصاً أم بطلاً عسكرياً، وما إذا كان مسؤولاً عن الفوضى الحالية في مصر أم كان قد أنقذ البلاد بالفعل من تلك الفوضى حتى تم الإطاحة به".