أرشيفية

كتب الدراسة باليمن.. غابت بالمدارس وحضرت في السوق السوداء

لم تجد اليمنية هدى صالح سبيلا إلا التوجه لميدان التحرير، من أجل أن توفّر الكتب المدرسية لأبنائها الثلاثة، بعد أن توقفت وزارة التربية والتعليم في حكومة الحوثيين غير المعترف بها دوليا، عن صرفها للطلاب رغم مرور شهرين على بدء الدراسة.

على أرصفة الميدان الذي يتوسط العاصمة صنعاء الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، يتوزع العشرات من باعة الكتب المدرسية، الذين ما لبثوا أن تدافعوا نحو ربة البيت، وكان أحد الباعة -وهو طفل صغير- يردد بالقرب منها "تشتي منهج كم؟ أنا شجيبه لك" بمعنى: أي كتاب تريدين؟ سآتيك به.

بعد أن جالت أرصفة الميدان، لم تعثر هدى على كتب الجغرافيا والتاريخ والوطنية، لكن أحد الباعة أشار إليها بأنها ستجده في مكتبة "الجيل الجديد".

هناك، كانت هدى تحمل 12 كتابا طُبعت في مطابع الكتاب المدرسي التابعة للوزارة، وما تزال رائحة الحبر والورق الجديد تتدفق منها، لترتسم ابتسامة خفيفة على شفتي ابنها أمجد الذي يدرس في الصف الخامس، فرحا بكتبه الجديدة.

ابتسامة أمجد ذبلت واختفت، مع تنازل الأم عن شراء المجموعة واكتفائها بثلاثة كتب فقط، بعد أن عجزت عن دفع قيمتها التي بلغت 14 ألف ريال (27 دولارا)، فالوضع المالي للأسرة لا يسمح بذلك، وراتب زوجها بالكاد يكفي لتوفير الطعام ودفع الإيجار.

سوق سوداء

تقول هدى للجزيرة نت إن المدرسة لم تصرف الكتب هذا العام للطلاب، "لكنها متوفرة في السوق السوداء بأسعار باهظة، ومن ثم لا نستطيع شراءها"، الأمر الذي سينعكس على التحصيل التعليمي لأطفالها.

وتضيف أن "إدارة المدرسة كانت تصرف للطلاب الكتب فور تسجيلهم، لكن هذا العام الوضع مختلف، أجبرونا على شرائها من السوق السوداء، ولأنني لن أفرط في تعليم أطفالي سأحاول شراء الكتب لهم، ولو أتخلى عن طعامي".

ويُلزم القانون اليمني -الذي يقر مجانية التعليم الأساسي- وزارة التربية والتعليم بإعداد وتوفير الكتب المدرسية والمراجع والمواد ‏التدريسية المقررة للمؤسسات التعليمية التابعة ‏للوزارة بالمجان.

غير أن عبد الرحيم السامعي، وهو أحد بائعي الكتب، يقول إن مطابع الكتاب المدرسي ما تزال تطبع الكتب وتوزعها على المكتبات الرئيسية بأسعار يضمن لها الكسب المادي، حيث تكلف طباعة الكتاب نحو خمسمئة ريال (دولار واحد)، في حين يُباع في المكتبات بضعف القيمة وأكثر قليلا.

ويضيف للجزيرة نت "في السوق السوداء ستجد أي كتاب، نحن نوفر الكتب القديمة من الأعوام الماضية، وبعضها جرى استخدامها وباعها طلاب، في حين نحاول طباعة بعض الكتب في مطابع محلية، لكنها تكلفنا الكثير، ولذلك نلجأ إلى السوق السوداء"، غير أن الكتب أيضا لم تعد متوفرة في السوق السوداء كما كانت، وفق السامعي.

على الإنترنت

ولجأت وزارة التعليم -التي يديرها يحيى الحوثي، وهو شقيق زعيم جماعة الحوثيين عبدالملك الحوثي- إلى تحميل الكتب المدرسية على موقع الوزارة إلكترونيا، لكن تلك الوسيلة لم تكن مجدية، إذ إن طلاب المدارس -خاصة من هم في سن مبكرة- لا يملكون أجهزة ذكية.

كما أن الكتاب الإلكتروني لا يساعد الطالب في تلقي دروسه بسلاسة وسهولة، مما يعني أن تلك الحيلة مجرد تحايل على إلزامية طباعة الكتاب المدرسي، حسب رشيد محمد، وهو خبير تربوي وأب لطالبين في الصفوف الدراسية الأولى.

ويوضح للجزيرة نت أن للكتاب حضورا خاصا وتفاعلا مختلفا للطفل لا يوفرها الكتاب الإلكتروني، هذا الحضور يتعلق بالمجالات الحسية كالسمع والنظر واللمس، وإحساسه بمحتوى الكتاب الذي ينعكس على تنمية مداركه ومهاراته".

من جهته، يقول أحمد سالم (وهو أستاذ في مدرسة حكومية) إن الكتب الإلكترونية أسهمت في تجاوز الأزمة، لكن هذا لا يعفي السلطات من تحمل مسؤوليتها، إذ إن الآلاف من الطلاب بلا كتب. ويضيف للجزيرة نت "نحن أمام مشكلة عويصة تتسبب بشكل مباشر في انهيار التعليم".

حصار مفروض

وبحسب تقرير صادر عن وزارة التعليم الخاضعة للحوثيين، فإن الوزارة وجدت نفسها غير قادرة على طبع الكتب، بسبب الحصار المفروض على اليمن من قِبل التحالف السعودي الإماراتي.

وأوضح التقرير أن "الحصار على بلادنا شكّل عائقا أمام طباعة الكتاب المدرسي، نتيجة عدم السماح بدخول كميات الورق اللازمة لطباعة المنهج الدراسي، وكذلك المواد الطباعية؛ نحن نعيش في ظل حصار كامل".

وأضاف أن عددا من المنظمات كانت تدعم طباعة الكتاب، لكن حكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي في مدينة عدن (العاصمة المؤقتة جنوبي البلاد) اعترضت على ذلك.


وفي السياق، قال مسؤول في الوزارة (فضّل عدم الكشف عن هويته) إن الحصار يمثل شماعة للحوثيين، الذين يتعمدون تدمير التعليم، بل إنهم نهبوا ميزانية الوزارة، وأحالوا جزءاً منها لتمويل الحرب.

ويضيف للجزيرة نت أن حكومة الحوثيين أصدرت قرارا العام الماضي ألزمت فيه وزير المالية والقائم بأعمال محافظ البنك المركزي، بصرف مبلغ 7.3 مليارات ريال يمني (13.3 مليون دولار)من أجل طبع الكتاب المدرسي للعام الدراسي الجاري. وتساءل المسؤول: "أين ذهبت تلك الأموال؟"

 

الجزيرة نت

نسعد بمشاركتك
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
عدن الغد