سمير الفتاحي

خمسون دولاراً وحلم كبير.. قصة "شاب يمني" في الأردن

عمان – صادق القدمي: 

بعد أن أتم العشريني سمير الفتاحي، مرحلة الثانوية العامة في 2014، بإحدى مدارس قريته بعزلة الوحج في مديرية قعطبة بمحافظة الضالع (جنوب اليمن)، وجد صعوبة في الانتقال إلى المدينة لإكمال دراسته الجامعية في ظل الظروف المادية الصعبة التي تعاني منها أسرته، فقرر الهجرة إلى أوروبا، لكن الأقدار أبقته في العاصمة الأردنية عمان.


ينتمي الفتاحي إلى أسرة بسيطة تعتمد على الزراعة بشكل أساسي، في طلب الرزق وتغطية مصاريف الحياة والاحتياجات الضرورية، كما تفعل بقية الأسر في قرية المودم، التي عاش طفولته وشبابه فيها، بحسب روايته لـ”المشاهد”.

حلم الهجرة

ويقول: “بعد إتمام دراسة الثانوية العامة، أيقنت أن الظروف المحيطة بي، ستقف حجر عثرة أمام نجاحي، وأنني لن أحقق لنفسي ما أصبو إليه إلا بالهجرة إلى أوروبا، ولاسيما بعد سماعي قصص شباب هاجروا، نجحوا، ووصلوا إلى مراتب عليا من العلم والثراء في المهجر”، وأردف قائلاً: “بدأت هواجس الهجرة والسفر تجول في خاطري بشكل مستمر، حتى اتخذت قرار السفر إلى دولة عربية، كي أتمكن بعدها من الهجرة إلى أوروبا، وبعد اتخاذ القرار لم أتمكن من توفير ثمن التذكرة إلا بشق الأنفس، فبعد كد وتعب وعمل متواصل وبيع أسرتي بعض المقتنيات، تمكنت من توفير مبلغ من المال، حجزت به تذكرة طيران إلى الأردن، وعزمت السفر”.


وصل سمير إلى مطار عمّان، وخرج منه حاملاً حقيبته البسيطة وأحلامه وطموحاته الكبيرة التي أثقلت كاهله، لم تكن الأمور على ما يرام، فحلم الهجرة إلى أوروبا، بدأ يتلاشى بعد أن التقى بعدد من الشباب اليمني الذين وصلوا عمان، وعلقوا فيها، لتضطرهم الظروف، إما للعودة إلى اليمن، أو البحث عن أشغال يقتاتون منها لقمة عيش تبقيهم على قيد الحياة، حسب قوله.

عمل متواصل

لم يتبقَّ بحوزة الفتاحي لدى وصوله عمان سوى 50 دولاراً، كما يقول، مضيفاً: “تفاجأت بصعوبة الحياة على المغترب هنا، فما أمتلكه لم يكن ليكفيني لتناول 5 وجبات بسيطة في مطاعم عمان المتواضعة، سكنت مع شباب يمنيين، وبدأت أبحث عن عمل، عملت في كل المهن البسيطة المتاحة التي وجدت بها فرصة، بدءاً بالعمل في معامل مناشير الحجارة وعدد من الشركات والمصانع، وتنقلت من عمل إلى آخر، ولم يكن لدي هدف حينها، سوى توفير المسكن ولقمة العيش”.


ويتابع: “انتقلت للعمل في مطعم قريب من الجامعة الأردنية، ومرت الأيام وأنا على هذا الحال، أطوي الأيام بالعمل ليل نهار، لأكمل ما يقارب السنتين من العمل في عمان”.

اشتياق للدراسة

كانت فكرة إتمام الدراسة تشغل تفكير سمير، لكن كما يقال “العين بصيرة واليد قصيرة”، فالراتب الذي كان يتقاضاه سمير بالكاد يكفي مصروفه الشخصي من أكل وشرب وسكن وملبس، يقول سمير: “عندما بدأت العمل في المطعم المجاور للجامعة الأردنية، كنت أقابل طلاباً يمنيين وعرباً من مرتادي المطعم، كنت أتأثر نفسياً برؤية الحيوية التي يعيشونها في مسيرة طلب العلم، وعندما أخلو بنفسي أعاتبها، وأعض أنامل الندم على الأيام التي تمضي من عمري وأنا منقطع عن مواصلة مشواري التعليمي، ومع كل الظروف المحيطة بي، بدأ تفكيري يتجه نحو التعليم الجامعي والقاعات الدراسية وكراريس الجامعة، بدأت أخبر كل طالب ألتقيه عن أمنيتي في مواصلة الدراسة، فالحديث عن هذا الموضوع مع مرتادي المطعم من الطلاب، كان يحسسني بالارتياح والشوق لمقاعد الدراسة في آن واحد”.


ويواصل سمير حديثه: “تعرفت على أحد الطلاب اليمنيين الدارسين في عمّان، وعند حديثي إليه عن أمنيتي بمواصلة الدراسة، أخبرني عن إحدى الجامعات التي تعطي تخفيضاً للطلاب الوافدين المتفوقين، تهللت أساريري، واستبشرت خيراً بكلامه، وعند حساب المبلغ المطلوب دفعه كرسوم للجامعة بعد التخفيض المتاح، كان لزاماً أن أدفع 75% من راتبي الشهري البسيط لتسديد الرسوم، ليتبقى لي 25% منه لمصاريفي الشخصية ومستلزمات الدراسة، اتخذت قراري بمواصلة الدراسة الجامعية مهما كلفني الثمن، وانطلقت في اليوم التالي إلى جامعة عمان العربية، لألتحق بكلية الأعمال تخصص نظم المعلومات الإدارية”.

تفوق واقتدار

بدأ الفتاحي في الدراسة الجامعية التي حلم بها طويلاً، رغم ساعات العمل التي كانت تجتزئ من وقته الكثير، فهناك هدف رسمه في عقله، ولن يحول بينه وبين تحقيقه إلا الموت، كما قول. ويضيف بنبرة تفاؤل: “عندما كنت أخلو مع نفسي، كانت تأتيني أحلام اليقظة، وأتخيل نفسي جالساً في قاعات الدراسة، أناقش الأساتذة والدكاترة، وأنجز تكاليفي، وأقدمها أمام زملائي، وها أنذا بلغت أمنيتي، أنجز واجباتي وأقدمها وأعرضها أمام زملائي، ولن يهدأ لي بال أو يقر لي قرار قبل أن أحقق كل ما رسمته في مخيلتي لغد مليء بالنجاحات والإنجاز”.


واستطاع سمير أن ينجز 50 ساعة جامعية من أصل 132 ساعة دراسية، على حسابه الخاص، بالتوفير من راتبه الذي يتقاضاه من المطعم، تمكن بعدها من الحصول على مقعد دراسي من منظمة DAFI الألمانية التابعة لمنحة “ألبرت أينشتاين”، وهي مبادرة قائمة من عام 1992 يستفيد منها آلاف الطلاب المعوزين والمتعثرين مادياً، حيث تكفلت المنظمة برسوم المقعد الدراسي، وبادرت بمنحه مبلغ ألف دولار في كل فصل دراسي.


أنجز الفتاحي حتى الآن 96 ساعة دراسية، وتبقى له 36 ساعة فقط، ليحصل على درجة البكالوريوس بتفوق واقتدار، متمنياً أن يكون يوماً ما سفيراً للنوايا الحسنة، ليتمكن من الوقوف إلى جانب المحتاجين ومن طحنتهم ظروف السنين الصعاب.


ويقول الفتاحي: “تمتلئ الحياة بالمطبات والمصاعب التي قد تواجهنا في أية لحظة، لذا نحن بحاجة إلى تجاوزها والصمود بقوة أمامها، وإيجاد الحلول للتغلب عليها مهما كانت صعبة”.


وتعد قصة سمير الفتاحي إحدى القصص الملهمة لعشرات الشباب اليمني في دول المهجر، الذين أثبتوا قدرتهم على تجاوز الصعاب وتحقيق آمالهم وأحلامهم المنشودة.

المشاهد نت

نسعد بمشاركتك
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
عدن الغد