الرئيس الأمريكي دونالد ترامب/Reuters

كيف نظر حلفاء أمريكا وخصومها لتراجع "ترامب" عن ضرب إيران... ولماذا تبدو الصين المستفيد الأكبر؟

ترجمة: عربي بوست

جنونٌ أم رئيسٌ أقوالُه أكبر من أفعاله.. كان قرار ترامب التراجع عن ضرب إيران في الدقائق الأخيرة مفاجأة سارة لكثيرين في العالم، لكن القرار أضاف مزيداً من الشكوك حول نمط قيادة الرئيس، وهل يمكن الوثوق بتهديداته أو وعوده على السواء؟ 

البعض صوَّر الأمر في إطار اعتباره محاولة فارغة أخرى من رئيسٍ لطالما تكون تهديداته أسوأ من أفعاله. في حين نظر البعض إلى الواقعة باعتبارها وسيلة إلى ما يُتصوَّر أنَّه جنون أو عمل ألمعي ضمن استراتيجية حافة الهاوية.

ويعتبر البعض ما حدث ليس أمراً قاصراً على العهد، فهذا الموقف تعبير عن تقلبات تصرفات أمريكا التي غالباً ما تأرجحت من العزلة إلى التدخُّل والعكس، حتى قبل زمنٍ طويل من حكم الرئيس ترامب، حسبما ورد في تقرير لصحيفة The New York Times الأمريكية.

قرار ترامب التراجع عن ضرب إيران يثير شكوكاً عالمية حوله

وجَّه الرئيس دونالد ترامب الأوامر بمهاجمة إيران يوم الخميس 20 يونيو/حزيران 2019 2019، رداً على إسقاطها طائرة تجسس، لكنَّ تراجعه المفاجئ عن أوامره قبل دقائق من تنفيذ القوات الأمريكية لها زاد الشكوك العالمية بشأن بصيرة الرئيس والقوة التي تتمتَّع بها الولايات المتحدة.

وقال نايجل شينوالد، السفير البريطاني السابق في واشنطن والذي أجرى من قبلُ مفاوضات لإطلاق سراح رهائن مع الحكومة الإيرانية، إنَّ مظهر عملية صنع القرار الغريب «يزيد حالة الارتباك لدى حلفائه وخصومه».

 

لكنَّ شينوالد قال إنَّ هذا أيضاً يُمثِّل جزءاً من «صورة مستمرة من عدم اليقين الأمريكي بشأن استخدام القوة. وهذه هي الفكرة المتكررة التي تمتد عبر التاريخ الأمريكي».

وفي حال كان قادة بريطانيا وفرنسا وألمانيا –وهم حلفاء أمريكا الرئيسيون بأوروبا- نظروا إلى هجوم ترامب المُلغى باعتباره نقطة لا عودة بالنسبة لسُمعته، أو بالنسبة لمكانة الولايات المتحدة العالمية- فإنَّهم قد بذلوا قصارى جهدهم لإخفاء تلك النظرة.

الحلفاء يفضلون التحفظ في ردود فعلهم 

فمنذ مساء الخميس، كان رد الفعل العلني من الساسة الغربيين حذراً إلى حدٍ كبير، ومرتبكاً أحياناً، لكن لم يكن مُنتقِداً إلا بصورة ضمنية فقط.

إذ دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي أرسل في وقتٍ سابق من هذا الأسبوع موفداً للتفاوض مع إيران، الجمعة 21 يونيو/حزيران 2019، كلاً من الولايات المتحدة وإيران إلى «التعقُّل وخفض التصعيد، وإجراء مباحثاتٍ الآن».

ماكرون طالب أمريكا وإيران بعدم التصعيد

ودعت الحكومة البريطانية، السبت 22 يونيو/حزيران 2019، إلى الحوار وأرسلت وزيراً صغيراً إلى طهران للقاء المسؤولين الإيرانيين. وتحدَّثت ناطقة باسم الاتحاد الأوروبي عن الحاجة إلى خفض التصعيد «حصراً عن طريق الطرق الدبلوماسية».

والبعض رأى أن أسلوبه غير التقليدي أنقذ الموقف

اللافت أنه كانت هناك أيضاً إشادة بقرار ترامب التراجع عن توجيه ضربة، ربما كان آخرون سيشعرون بفخرٍ كبير لإلغائها.

فقال كريسبن بلانت، وهو عضو برلمان مُحافِظٌ بارز في بريطانيا والرئيس السابق للجنة الشؤون الخارجية بالبرلمان البريطاني: «لعل أسلوب ترامب غير التقليدي نوعاً ما، في صنع القرار قد أنقذ الوضع في نهاية المطاف».

وأضاف بلانت، الذي يعارض سياسة ترامب تجاه إيران تماماً مثلما تعارضها الحكومة البريطانية نفسها: «أشك في أنَّ رؤساء آخرين كانوا سيُقدِمون على إلغاء المهمة (الضربة) بعد الموافقة عليها؛ خوفاً من اضطرارهم إلى تقديم توضيحٍ علني يشير بوضوح إلى أنَّ تفكيرهم منذ البداية كان غير وافٍ». 

وأردف قائلاً: «ينبغي عدم التقليل من لوبي الحرب الذي يملك خطاً للتواصل معه (مع ترامب)، وأشعر بارتياح أنَّه واجههم بشجاعة، ولو أنَّ ذلك كان في اللحظات الأخيرة».

خبراء يرون أن هناك فقداناً للسيطرة

لكنَّ معظم الإدانة الصريحة جاء من محللين ومُشرِّعين لا يتولون مناصب رسمية في الحكومة.

فقالت ميراي كلابو، نائبة رئيس لجنة الشؤون الخارجية بالبرلمان الفرنسي: «ما يقوله أو يفعله الرئيس ترامب هو بالتأكيد ما يعتقد أنَّه في مصلحة الولايات المتحدة. لكن لا يمكنني تأكيد أنَّه في مصلحة العالم بأكمله».

وقال توماس غومار، مدير المعهد الفرنسي للعلاقات الخارجية، وهو مجموعة بحثية مقرها باريس، إنَّ «ما يجري الآن حاسمٌ فيما يتعلَّق بتطور قيادة الولايات المتحدة».

وأضاف: «والآثار لا تُحصى. لقد أعطوا الانطباع بوجود فقدان للسيطرة مرتبط بالرئيس ترامب وحاشيته».

لكن على نطاق أوسع، جرى تصوير التغيُّر الكامل في موقف ترامب باعتباره استمراراً لنمط مألوف من السلوك غير الثابت.

قال دبلوماسي أوروبي بارز منخرط في المفاوضات مع إيران: «(هذا السلوك) ينسجم مع نمطٍ من عدم القدرة على التنبؤ بالتصرُّفات، لكنَّني أعتقد أنَّ بقية العالم سيكونون مسرورين ومفاجئين بهذا القرار. وفيما يتعلَّق بهذه القضية على وجه التحديد، أعتقد أنَّ قراره كان جيداً جداً».

 

رسمياً، أحدث الرئيس قطيعة مع حلفاء الولايات المتحدة الأوروبيين –ومع السياسة الأمريكية السابقة- فيما يتعلَّق بمسألة احتواء إيران في مايو/أيار 2018، حين انسحبت إدارته من الاتفاق النووي مع إيران.

أُبرِم الاتفاق عام 2015 بالتنسيق مع بريطانيا وفرنسا وألمانيا والاتحاد الأوروبي وروسيا والصين، وأدَّى إلى رفع العقوبات عن طهران مقابل تعهُّد من الحكومة الإيرانية بالحد من طموحاتها النووية.

قال ترامب ومستشاروه إنَّ الاتفاق لم يفعل ما يكفي لكبح النفوذ الإيراني في سوريا واليمن ولبنان.

تراجعت العلاقات بين إيران والولايات المتحدة أكثر، الشهر الماضي (مايو/أيار 2019)، حين فرض ترامب قيوداً تهدف إلى وقف صادرات النفط الإيرانية. وتسبَّب هذا في إعلان إيران أنَّها ستتوقف عن التزام بعض بنود الاتفاق النووي.

ولكن الأمر ينسجم مع نفوره من تكلفة الحروب

والأسبوع الماضي، أسقطت إيران طائرة أمريكية من دون طيار. وحمَّلت الولايات المتحدة إيران أيضاً المسؤولية عن الأضرار الأخيرة التي لحِقت بست ناقلات نفط في الخليج، وهي الاتهامات التي نفتها إيران.

وعلى الرغم من الدعوات المتكررة للحوار من جانب الحكومات الغربية الأخرى، وزيارة رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي لطهران، لم يتمكَّن الجانبان من الاتفاق على إجراء مفاوضات، وهو ما قاد إلى تعالي أصوات التلميح بالحرب من جانب البيت الأبيض أكثر من أي وقتٍ مضى.

مع ذلك، نُظِر في بعض العواصم الأوروبية إلى التحوُّل التكتيكي من جانب ترامب الخميس الماضي، باعتباره متوقَّعاً من حيث عدم إمكانية توقعه. وعلى الرغم من تحدُّث الرئيس بصورة عدائية عن إيران، فإنَّه لطالما عبَّر عن شكوكه بشأن الشروع في صراعٍ جديد وباهظ التكلفة.

قال الدبلوماسي الأوروبي البارز: «الساعات الـ48 الماضية ذكَّرتنا بأنَّه لا يريد الزج بالولايات المتحدة في حربٍ أخرى بالشرق الأوسط».

غير أن هناك دولة واحدة في العالم لم يفاجئها تراجع ترامب

لكن، إذا كان تخفيض التصعيد المفاجئ من جانب ترامب قد باغت أولئك الذين أخذوا تهديداته على محمل الجد، فإنَّ الكوريين الجنوبيين استقبلوا الأمر بلا مبالاة. فقد رأوا هذا السلوك من قبل.

إذ هدَّد ترامب في عام 2017، الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون بـ «نارٍ وغضب لم يشهد العالم لهما مثيلاً» إذا ما عرَّض الولايات المتحدة للخطر. لكنَّ ترامب قام في النهاية بتحوُّلٍ جذري إلى الدبلوماسية، ووصل إلى حد القول إنَّه والزعيم الكوري الشمالي «في حالة حب».

وفي عطلة نهاية هذا الأسبوع بالعاصمة الكورية الجنوبية سيول، قال المسؤولون والمحللون إنَّهم اعتادوا التحوُّلات التي يشهدها موقف ترامب تجاه الجغرافيا السياسية الكورية.

لم تكن هناك ردود فعل رسمية من الحكومة الكورية الجنوبية، ولا في افتتاحيات الصحف أو المقالات التحليلية. وبدلاً من ذلك، هيمنت زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ لكوريا الشمالية على صفحات الشؤون الدولية.

وحتى في إسرائيل البعض امتدح القرار

وفي إسرائيل، حيث دعت الحكومة طويلاً إلى اتخاذ موقف أكثر صرامة تجاه إيران، أشاد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بقرار ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي وفرض عقوبات أشد على إيران. 

وفيما يتعلَّق بالضربة المُلغاة، أشاد جنرالان إسرائيليان سابقان بترامب، بسبب تغييره رأيه، لدرجة أنَّهما قالا إنَّ ذلك يثبت أنَّه داهية على الصعيد الاستراتيجي.

فقال عاموس يادلين، رئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية السابق والملحق العسكري السابق في واشنطن: «تعي إسرائيل جيداً أنَّ الولايات المتحدة ليست متحمسة لخوض حربٍ أخرى بالشرق الأوسط. وإذا كان ترامب يرغب في الحصول على مزيد من الشرعية وإظهار أنَّه لا يندفع إلى الحرب، فلستُ أنظر إلى ذلك باعتباره شيئاً سلبياً».

ولكن يخشون كيف سيتعامل الإيرانيون مع الأمر

وأضاف يادلين أنَّ الاختبار الحقيقي أمام قرار ترامب سيتمثَّل في الرد الإيراني.

فقال: «مَبعثُ قلقي هو أنَّ الإيرانيين سيُفسِّرون الأمر باعتباره يُمثِّل إحجاماً آخر عن التحرُّك من جانب الأمريكيين، وربما يتجاوزون مزيداً من الخطوط الحمراء نتيجة لذلك».

وفي بريطانيا، قال العضو المُحافِظ البارز بالبرلمان كريسبن بلانت، إنَّ الضربة المُلغاة كشفت عن ضعف النفوذ البريطاني في السياسة الأمريكية بقدر ما كشفت عن عدم القدرة على توقع السلوك الأمريكي.

ونظراً إلى التهاء الحكومة البريطانية بالخلافات الداخلية حول خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست) والسباق على استبدال رئيسة الوزراء المستقيلة تيريزا ماي، فإنَّ قدرتها حالياً على التأثير في الأزمات الدولية تقلَّصت.

قال بلانت في رسالة نصية: «إنَّه مؤشر على مدى تراجع أهميتنا، أو هذا ما يبدو، بالنسبة لصنع القرار الأمريكي، لدرجة أنَّ الرد العسكري كان وشيكاً، حتى إن الطائرات كانت على وشك الإقلاع (حرفياً)».

أما الصينيون فهم يرون أن بلادهم قد تكون المستفيد الأكبر من القرار

وعلى غير المتوقع ربما، قال المحللون في الصين إنَّ حكومة البلاد قد تشعر بالارتياح نوعاً ما، من تراجع ترامب عن الضربة، لكن هذا مرجعه أسباب أقل وضوحاً.

فترامب يريد من الحكومات الأوروبية المشارِكة في عملية منع الصين من إطلاق تكنولوجيا الهواتف المحمولة الجديدة بأوروبا عن طريق شركة التكنولوجيا العملاقة Huawei، مُتذِّرعاً بوجود مخاطر أمنية. 

الرئيس الأمريكي مع نظيره الصيني شي جين بينغ.

لكنَّ يان شويتونغ، عميد معهد العلاقات الدولية بجامعة تسينغهوا في بكين، قال إنَّ عدم موثوقية ترامب بسبب إيران قد تُعزِّز عدم الثقة بالإصرار الأمريكي على إبقاء Huawei خارج أوروبا.

وأضاف يان: «حالة عدم اليقين بشأن ترامب تعني ألا أحد يثق به، وتعني أنَّ الصين ستستفيد. لن تكون الولايات المتحدة قادرة بعد الآن على دفع الحلفاء إلى اتخاذ تحرُّك جماعي ضد الصين».

بعد أن أصبح واضحاً أن ترامب يمكن أن يتراجع عن قراراته.


نسعد بمشاركتك
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
عدن الغد