30 نوفمبر

بعد 52 عاماً على طرد المستعمر البريطاني.. مشروع الإمامة يسلم اليمن للوصاية الخارجية ويضعها في مهب التمزيق!

"بسم الله.. باسم الثورة، وباسم الشعب الذي آمن أن الحرية تنتزع ولا تـُعطى (...) أعلنُ أنا قحطان محمد الشعبي، أنه ابتداءً من اللحظة الأولى ليوم 28 شعبان سنة 1378هـ الموافق 30 نوفمبر 1967م، أعلنُ مولد وقيام جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية، كدولة مستقلة ذات سيادة كاملة على كل أجزاء الوطن براً وجواً وبحراً".

 

بهذه الكلمات افتتح رئيس الجمهورية، خطابه وسط حشد جماهيري في عدن. تابع الرئيس قحطان تلاوة بيان الاستقلال، معلناً الهدف السامي للثورة، وموضحاً طبيعة العلاقة المنشودة بين الحكومة اليمنية الأحدث مع شقيقتها الأقدم في الشمال "إنها (حكومة الجمهورية) تؤكد إيمانها الصادق بوحدة اليمن الطبيعية شمالاً وجنوباً، وستعمل من جانبها جاهدة بالتشاور والمشاركة مع حكومة الجمهورية العربية اليمنية الشقيقة، في بحث السبل العملية للوصول إلى تحقيق هذا الهدف السامي".

 

غيّر ذلك الإعلان مجرى التاريخ وأنهى حقبة زمنية امتدت 129 عاماً من الاستعمار الذي بدأه الانجليز بالسيطرة على عدن في يناير/كانون الثاني 1839م، وأحكموا بعد ذلك قبضتهم على مناطق جنوب وشرق اليمن، عبر تكبيل السلطنات ومشيخات القبائل المجاورة لعدن، باتفاقيات مختلفة وفرض تسميات جديدة، وربطها لاحقاً بوزارة المستعمرات بحكومة التاج البريطاني، تحت مسمى "مستعمرة عدن ومحمياتها الغربية والشرقية".

 

كان ذلك، نتيجة لتفريط النظام الإمامي القائم، بعد بضع سنوات من انسحاب العثمانيين المهزومين في الحرب العالمية الأولى من الساحل الغربي، بالوحدة الطبيعية للجغرافيا اليمنية والسيادة الوطنية، بأن وقع رأس ذلك النظام "يحيى حميد الدين" على معاهدة سلام وتعاون مع المحتل البريطاني في فبراير/شباط 1934م، تنازل بموجبها عن حق اليمنيين في الاستقلال وإدارة شؤون بلادهم. وأعترف "الإمام" بالحماية والوصاية البريطانية على جنوب وشرق الوطن لأربعين عاماً قابلة للتجديد.

 

نهاية الإمامة بداية الاستقلال

 

مثل النظام الملكي الشمولي، حاجزاً بين اليمنيين ومواكبة العصر، إضافة إلى كونه حامياً، هذا ما تنبه له الثوار في اليمن. يقول الكاتب والباحث السياسي زايد جابر "أدركت الحركة الوطنية منذ وقت مبكر التلازم بين الاستبداد والاستعمار، وأن التحرر من الاستعمار في جنوب الوطن لا يمكن أن يتم ما لم يتم إسقاط نظام الإمامة في الشمال".

 

يضيف جابر لـ"المصدر أونلاين": هذا ما حدث "إذ تم إسقاط الإمامة وإعلان النظام الجمهوري في ثورة 26 سبتمبر 1962 والتي هب أبناء الجنوب للدفاع عنها مع إخوانهم في شمال الوطن، ثم عادوا إلى الجنوب ليفجروا ثورة 14 اكتوبر 1963 ضد الاستعمار، والتي توجت في الـ30 من نوفمبر 1967 برحيل آخر جندي بريطاني".

 

وأوضح زايد جابر، وهو وكيل وزارة الثقافة في الحكومة اليمنية (المعترف بها)، أن مشروع الاستعمار "المتمثل باتحاد إمارات الجنوب العربي" سقط مع رحيل أخر جندي في نوفمبر، مشيراً إلى تأكيد قادة الثورة والجمهورية الوليدة "على وحدة الجنوب وإلغاء المشيخات والسلطنات واستمر النضال حتى تحقيق الوحدة اليمنية في 22 مايو 1990".

 

النكسات المتقدمة والمتأخرة

رحل المستعمر يجر وراءه أذيال الهزيمة، ونجحت الحكومات اليمنية المتعاقبة بعد الاستقلال، في التخلص من الهيمنة السعودية والمصرية، والأخيرة كان لتدخلها العسكري دوراً هاماً في مساندة ثورة سبتمبر (شمالاً) وأكتوبر (جنوباً) لكنها في مراحل زمنية معينة، حاولت فرض مواقف وقرارات، تخالف ما توافق عليه اليمنيون، كمنع فتح مكتب عمليات للجبهة الوطنية في جنوب الوطن، في محافظة تعز الشمالية، وهو ما قوبل بممانعة وإصرار رسمي وشعبي، انتصر فيه أصحاب الأرض والسيادة، على المخابرات الحربية المصرية التي حُرف مسارها في تلك الحادثة، عن مهام المساعدة العسكرية للثوار، وتحول إلى محاولة الوصاية على الثورة.

 

في الوقت ذاته، كانت الهيمنة المصرية المتصاعدة في حدودها الجنوبية، محفزاً للسعودية، لتقديم الدعم المالي والعسكري لفلول الإمامة، وقد أنهت اتفاقية جدة ذلك الصراع نوعاً ما، وتلاشى النفوذ الخارجي مع مرور الزمن وحضر في اوقات لاحقاً لكنه لم يصل إلى درجة الوصاية والهيمنة.

 

ورغم تجاوز اليمنيين إملاءات الخارج، كانوا ضحية للتنافس والصراع على السلطة شمالاً وجنوباً، وتحت مسميات وشعارات مختلفة، حضرت فيها الوحدة المنشودة ووصلت إلى اشتباكات وايضاً حرب في الدولة الموحدة، قبل أن تطل الإمامة والوصاية –مؤخراً- بعد أكثر من قرن من سقوط الملكية وطرد المستعمر، وقبل أشهر فقط من الاستحقاقات الوطنية والإنجازات المحرزة والمتمثلة في مخرجات الحوار الوطني والدستور الاتحادي اللذين جاءا تتويجاً لمسيرة النضال السلمي والحراك المطلبي في جنوب اليمن، وما تلاه لاحقاً من ثورة شبابية سلمية في عموم الوطن.

 

عودة الإمامة والمناطقية

يقول الباحث السياسي علي الأحمدي، إنه غير متفاجئ بما "حصل حالياً في بلادنا فبعد أكثر من خمسين عاماً على ثورتي اليمن 26 سبتمبر و14 أكتوبر، من عودة لأفكار الإمامة واحتكار أسرة للحكم بمبررات سلالية، أو ما يحصل من محاولات عنصرية نزقة تحت يافطات سياسية مناطقية ضيقة للإنفراد بحكم أجزاء من اليمن".

 

وأشار الأحمدي، وهو كاتب وناشط في الحراك الجنوبي والثورة الشبابية السليمة، إلى أن ذلك نتاج خلل حصل عقب الثورة "وتراكم للأخطاء طوال السنوات الماضية حتى وصل بنا الحال لهذا الوضع الأسوأ في تاريخ اليمن الحديث".

 

وأضاف الأمين العام المساعد بحركة النهضة، في رده على أسلة "المصدر أونلاين" أن "غياب الشورى أو الشراكة الحقيقية التي تحصل من خلالها المساواة والعدالة وتتحقق الحرية، أدى لاجترار الأخطاء وتكرارها مع تكرار سيناريوهات محاولات الانفراد بالسلطة والتوجه لإقصاء الآخرين حتى من أصحاب المظلوميات التي وقف اليمنيون معها وأفردوا لها مساراً خاصاً لحلها في حوارهم الأبرز الذي جرى بمؤتمر الحوار بصنعاء".

 

استجلاب التدخل الأجنبي

جرّت مليشيات الحوثيين اليمن، منذ أواخر 2014م، إلى حرب واسعة، فاتحة بذلك باب اليمن على مصراعيه، للتدخلات الخارجية، يقول الصحفي عبدالرقيب الهدياني، إن المليشيات الحوثية هي المسؤول الرئيسي عن التدخلات الإقليمية والدولية "التي وجد اليمنيون اليوم أنفسهم فيها بعد 52 عاماً من الاستقلال ورحيل أخر جندي بريطاني".

 

تحدث الهدياني لـ"المصدر أونلاين" عن عبث مليشيات الحوثيين في الوطن، وانقلابهم على الدولة التي تمثل اليمنيين جميعاً، ونشرها الخراب والدمار، مشيراً إلى المجلس الانتقالي الجنوبي كحالة مشابهة ومطابقة في الممارسات والتخريب والدمار والإنقلاب، مع تباين بسيط في الجهة الأجنبية التي تقف خلف المتمردين في صنعاء وعدن.

 

وأضاف الهدياني أن المتواجد والمهيمن على تراب اليمن في صنعاء وفي عدن يتناقض مع روح وأهداف ثورة أكتوبر وسبتمبر ومشروع الثلاثين من نوفمبر، "الموجود اليوم جماعات ومكونات عميلة ومرتزقة ترفع شعار الانفصال وتعمل بكل قوتها ومجهودها لتمكين الأجنبي الإقليمي (الإمارات العربية المتحدة) الذي يعبث بالنسيج الوطني واللحمة الوطنية".

 

وأكد نائب رئيس مجلس إدارة مؤسسة وصحيفة 14 أكتوبر الخاضعة لسيطرة الانتقالي، حالياً في عدن، أن ما ينطبق على المجلس الانتقالي المدعوم من الإمارات، يسري على مليشيات الحوثيين التي تعمل هي الأخرى، على تنفيذ الأجندة الفارسية والمشروع الإيراني في اليمن، موضحاً "الحوثيين والانتقالي كلاهما يعملان مرتزقة للمشاريع الخارجية وينفذان أجندة غير وطنية، تتشارك في الأهداف والوسائل أيضاً".

 

وأشار الهدياني إلى استغرابه، من شعارات دعاة "المناطقية والرجعية، كالتحرر والحفاظ على السيادة والاستقلال ومواجهة العدوان، وهم يعملون ليلاً ونهاراً لفرض الوصاية والهيمنة الخارجية على اليمن بالقوة العسكرية، وإعلاء المصالح العليا للإمارات وإيران في المنطقة، هي أسمى واجباتهم التي سخروا لتحقيقها كل الجهود والطاقات ولو كان على حساب الوطن اليمني".

 

المستعمر الجديد

نوه الهدياني بأن الظروف الحالية في الشمال والجنوب، تشابه إلى حدً ما الظروف التي كانت تعصف باليمن في الشمال والجنوب قبل تاريخ 30 نوفمبر 1967م. 

 

وتشهد اليمن منذ خمس سنوات حرباً مستمرة، للحوثيين الفضل في تفجيرها بدعم إيران، ومؤخراً قاد الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات تمرداً أخر على الحكومة المعترف بها في عدن.

 

و يقول الخبراء الغربيون إن ما يحدث في اليمن، حرب بالوكالة بين الخليج بقيادة السعودية والجمهورية الإيرانية. لكن الاحداث الأخيرة دفعت الكثير منهم لتغيير تلك الأرى والحديث عن الاجندة الإماراتية، واستغلالها للتحالف كغطاء لتنفيذ اجندة خاصة، وهذا ما صرحت به الحكومة والرئاسة اليمنية في الأشهر القليلة الماضية، مؤكدة أنها لن تسمح أن تكون حاجة اليمنيين لمساعدة الاشقاء في مواجهة المشروع الإيراني، ذريعة لتقسيم اليمن أو اجتزاء أي قطعة من ترابه.

 

التاريخ يكرر نفسه

يعتقد الباحث السياسي علي الأحمدي، أن "التوجه الأعمى نحو السلطة" أدى بأصحابه للدوس على كل المكتسبات الوطنية العظيمة التي ناضل لأجلها الآباء وقدموا التضحيات وأهمها وجود نظام جمهوري تعددي موحد".

 

وأضاف الأحمدي لـ"المصدر أونلاين: "المشكلة أن أصحاب هذا المسلك المنقلب على مكتسبات الثورة لا يمكن أن يتعظوا أو يعوا أن الشعب وفي هذا العصر المنفتح ثقافياً وإعلامياً لا يمكن أن يقبل بحكم أسرة تحت مبرر كهنوتي سلالي ولا منطقة بداعي استحقاق نضالي جهوي مهما زيفوا الحقائق وأن هدفهم وطني فقد بات واضحاً ارتهان هذه الأطراف للخارج ومشاريعه الإقليمية سواءً مشروع التمدد الفارسي أو مشروع الثورات المضادة في عالمنا العربي".

 

وأكد وكيل وزارة الثقافة زايد جابر، أن اليمنيين اليوم يواجهون المعضلات نفسها "فقد عادت الإمامة في الشمال لتعود معها الوصاية الخارجية ومشاريع التفتيت والتجزئة".

 

وتابع جابر: "إذا كان الشعب اليمني قد قضى على هذه المخاطر ونال حريته واستقلاله في الماضي فإنه اليوم وهو أكثر وعياً وتعليماً قادر على استعادتها مهما كانت التحديات والتضحيات التي سيقدمها".

 

المصدر أونلاين

نسعد بمشاركتك
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص