نظارة طفل مأربي

كيف أسعدت نظارة "الطفل محمد" أقرانه من النازحين في مأرب

لم يكن المصور عبدالله الجرادي ذو الـ25 عاماً، يدرك أن الطفل الذي كان يلعب مع صديقه مرتدياً نظارة ذات مظهر غريب، بل استثنائي، سيجذب عدسته الأنيقة نحوها.
الجرادي الذي يعمل صانعاً للأفلام ومصوراً لدى العديد من المنظمات الدولية، أوضح لـ”المشاهد” أن الطفل طلب تصويره أثناء ممارسته إحدى هواياته، وهي تصوير الأطفال عقب انتهائه من عمله.

ما قصة نظارة محمد؟

كان الجرادي يصور في مخيم جو النسيم في مأرب، منذ أيام، حين طلب منه الطفل محمد تصويره مقابل أن يعطيه نظارته، فوافق عبدالله وأراد إعطاء الطفل ألف ريال مقابل النظارة، رفض الطفل، واكتفى بقول: “أشتي صورتي تظهر في التلفزيون”.
لم يكن يعلم أن صورته ونظارته ستكون نقطة تحول في حياته، وستحدد له مستقبلاً مختلفاً، وأنها ستحظى بقيمة معنوية ومادية عالية.
وفي مزاد عبر مواقع التواصل الاجتماعي، رفض عبدالله أخذ أي مقابل مادي نظير بيع النظارة بمبلغ 2.500.000 ريال يمني.
يقول الجرادي: “عندما غادرت المخيم، طرأت لي فكرة بشكل عفوي وتلقائي، بأن أفتتح مزاداً، وأبيع النظارة من خلاله، فكانت مواقع التواصل الاجتماعي هي المنصة التي اخترت فعل ذلك من خلالها، وقمت بكتابة منشور عبر حسابي في “فيسبوك”، وتغريدة على حسابي في “تويتر”، تحدثت بشكل مختصر عن التفاصيل المهمة، والتي خلاصتها أني أفتتح مزاداً لشرائها، وأيضاً من أراد أن يتصور وهو مرتدٍ لها مقابل مبلغ زهيد، وأرفقت صورة الطفل النازح، وأخرى للنظارة”.
ويضيف: “توقعت أن يصل المزاد إلى مبلغ 20 ألفاً، فأستطيع بذلك المبلغ شراء ثياب العيد للطفل وصديقه. لكن سرعان ما ظهرت نتيجة غير متوقعة مطلقاً، افتتح المزاد أحد التجار اليمنيين، بمبلغ 500 ألف ريال يمني، ثم تبع ذلك أمراء سعوديون رأوا التغريدة عبر “تويتر”، وأخيراً بعد مرور 24 ساعة من الوقت الذي حددته مسبقاً لغلق المزاد، تم شراء النظارة بمبلغ مليونين و500 ألف، من قبل أسامة القصيبي، مدير عام منظمة مسام لنزع الألغام. ذهلت من سرعة الانتشار على مدى واسع، ومن هذه النتيجة الأكثر من جيدة. ومنذ أن نشرت ذلك وحتى اللحظة لازالت تصلني تبرعات من عدة أشخاص، وعروض لمنح وكفالات. حتى إني تفاجأت عندما وصلتني تبرعات من أشخاص أعرف أنهم بالكاد يحصلون على لقمة العيش مقابل العمل بدخل مادي يومي زهيد”.

محاولة لإسعاد أطفال المخيم

تاجر مأربي طاعن في السن، تكفل بكسوة الأطفال في كل عيد منذ 4 أعوام من نزوحهم، ولم يكتفِ بهذا القدر من العطاء والإنسانية، بل كان يشتري لهم ألعاباً، واضعاً في الاعتبار احتياجهم للمرح واللعب والتسلية، فاعتادوا على ذلك، وجعلوه أباً روحياً لهم، فهو الذي كانت تذرف دموعه عندما يرى مدى سعادتهم. ولكن المنية وافته منذ أكثر من عام، فلم يعد هنالك من يهتم لأمر هؤلاء الأطفال الذين يفتقرون لأحد أهم الاحتياجات الأساسية، وهو المسكن الآمن.
قرر محمد؛ الطفل النازح الذي بدت ابتسامته البريئة ونظارته ذات النكهة الطفولية المميزةِ، أن يعمل على صناعة ألعاب يدوية تتنوع ما بين عجلات وسفن ونظارات أيضاً، وكان معه صديقه يساعده في صناعتها المحكومة بالبساطة، وعندما أنهيا صنعها قاما بتوزيعها على أطفال المخيم، عوضاً عن تلك الألعاب التي لم تعد تصلهم.
هؤلاء الأطفال الذين يتشاطرون أفراحهم وأتراحهم، أثقلتهم الحياة بمآسٍ لا حصر لها، أعمارهم أصغر من أن تتحمل كل هذا العناء، ولكن عقولهم تجاوزتها.
ما صنعه محمد وصديقه ليست ألعاباً ونظارات أوضحت لهم رؤية مستقبلهم، بل هما من صنع السعادة والأمل، بتفكير محمد في الآخرين، وبمساعدة صديقه امتلأ المخيم بالسعادة وبالضحكات الطفولية المعبرة عن الفرح.
لم يضع محمد في الحسبان أن من زرع ورداً سيجنيه، وكيف لطفل أن يعي كل ذلك، كما يقول الجرادي.
ويردف قائلاً: “اقترحت على والدي الطفلين أن يتم شراء ملابس العيد لجميع الأطفال النازحين في المخيم، وأن ندخل مبالغ التبرعات في أسهم شركات تمنحهم دخلاً بشكل شهري وسنوي، من أجل ديمومة في مصدر دخل لهم، فرحبا بالفكرة، وتطوعت أنا ومجموعة من أصدقائي الإعلاميين المتواجدين في مدينة مأرب، لشراء ملابس العيد لجميع أطفال المخيم  الذين يصل عددهم إلى 200 طفل. ثمرة هذا العمل وجدتها في عيون الأطفال التي تحكي وتصف مدى فرحتهم. أشعر بالامتنان لمواقع التواصل الاجتماعي، كونها تسهم في سرعة الانتشار والوصول في كافة الأعمال عامةً، والأعمال الإنسانية بخاصة، ومن خلالها أصبحنا نشعر بتفاعل مجتمعي حقيقي، لم أبذل أي جهد سوى أني كنت همزة وصل بينهم وبين الطفل”.
مؤخراً، شارك الجرادي في مسابقة لأجمل صورة عبر “تويتر”، أقامها رجل أعمال سعودي، وفاز بالمركز الثاني، وكانت الجائزة عبارة عن 550.000 ريال يمني، ويبدو أنها ليست الأخيرة.
الطفل اليمني محمد بعفويته وبراءته وحسن نواياه، كسب تعاطف الجميع، ووقفة حقيقية منهم، وأصبح مادة تناولتها معظم وسائل الإعلام المحلية والعربية والدولية، بفضل جراءته ودقة عدسة الجرادي؛ لتؤكد المقولة المأثورة: “صورة تغني عن ألف كلمة”.

نسعد بمشاركتك
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص