الشيلان اليمنية

كيف أصبحت "الشيلان" باهظة الثمن جزءاً من مكانة اليمنيين الاجتماعية؟

تقرير: محمد يوسف

قلما تجد في اليمن رجلاً يرتدي زيه الشعبي، دون أن يلف تلك القطعة الصوفية على رأسه، لتبرز تطريزاتها المحبوكة بعناية، أو أن يسدل طرفيها من على كتفيه، في هيئة تضفي للزي اليمني جمالاً أخاذاً.
إنه “الشال” أو ما يطلق عليه باللهجات الدارجة “غترة، شماغ، صماطة”، إذ يرتديه كل اليمنيين بمختلف أزيائهم الشعبية، كجزء من زينة الرجل ووقار هيئته.
يشتهر بيع الشيلان في مواسم الأعياد والمناسبات الفرائحية، ويقبل على شرائه الجميع، غير أن هناك أنواعاً فاخرة من الشيلان تتجاوز أسعارها 200 ألف ريال يمني، أي ما يقارب 400 دولار أمريكي، وتصل حتى آلاف الدولارات.
ويجد الكثير من الشخصيات الاجتماعية والوجاهات متعتهم في اقتناء شيلان باهظة الأثمان، شأنها في بعض الأحيان شأن “الجنابي” الثمينة.

شهرٌ لشالٍ واحد

تتعدد الدول المنتجة للشيلان الصوفية، مثل كشمير والهند والصين، ويتم تصديرها إلى اليمن وبعض الدول العربية، لاسيما الخليجية، حيث يكثر هناك شراء الأنواع الفاخرة منها.

تتنوع جودة الشيلان وفقاً للحيوانات التي يتم استخراج الصوف منها، مثل شال صوف الشاتوش الذي يؤخذ من ماعز جبلي آسيوي يدعى الشاتوش، ويعد أغلى الشيلان، وأكثرها جودة ومتانة، وأندرها على الإطلاق، نظراً لندرة هذا الماعز، والقيود الدولية المفروضة على التجارة بصوفه ومنتجاته، كونه مهدداً بالانقراض.


وتتنوع جودة الشيلان وفقاً للحيوانات التي يتم استخراج الصوف منها، مثل شال صوف الشاتوش الذي يؤخذ من ماعز جبلي آسيوي يدعى الشاتوش، ويعد أغلى الشيلان، وأكثرها جودة ومتانة، وأندرها على الإطلاق، نظراً لندرة هذا الماعز، والقيود الدولية المفروضة على التجارة بصوفه ومنتجاته، كونه مهدداً بالانقراض.
وتبلغ قيمة شال الشاتوش 5 آلاف دولار فما فوق، وغالباً ما يستغرق نسج القطعة الواحدة وحياكته وتطريزه يدوياً، شهراً كاملاً، وتشترك عائلة كشميرية في إعداده، حيث تقدر الإحصائيات أن أكثر من 15 ألف أسرة كشميرية تعتمد على صناعة الشيلان الصوفية وتطريزها.
ويأتي شال صوف ماعز الباشمينا، ثاني أجود الشيلان، وتتجاوز قيمته 200 ألف ريال يمني، وحتى 800 ألف، أي ما يعادل 1500 دولار، ويليه شال صوف الترمة، وهو أيضاً ذكر ماعز جبلي آسيوي، وتتراوح أسعاره بين 100 و200 ألف ريال.
وتنتج بعض الشيلان من خليط مضغوط مثل نوعين من الصوف مثل الترمة والشاتوش، ويطلق عليه “سوبريم”، وهو لامع وأكثر نعومة وجمالية، وأيضاً خليط من الترمة والباشمينا، ويطلق عليه “سوبر ترمة”، وتتوسط قيمته أسعار أنواع الصوف الصافي، فضلاً عن خليط الشاتوش والباشمينا، ويدعى سوبر باشمينا.
ودخلت الصين أيضاً في إنتاج الشيلان الصوفية، لكن أسعارها تتراوح حول 50 دولاراً، إلى جانب الشيلان الصوفية الصينية المخلوطة بالقطن، ثم الشيلان القطنية الصينية، لتتناسب مع المقدرة الشرائية للسواد الأعظم من اليمنيين، وما دون ذلك من الشيلان العادية التي لا تتجاوز قيمتها 10 دولارات.
وتتعدد مقاسات الشيلان وفقاً لتقاليد الدول، ففي الهند وكشمير تكون الشيلان أشبه بـ”لحافات” مستطيلة الشكل وطويلة، فيما يفضل اليمنيون شيلان مربعة تربيعاً متساوياً، ويتم ثنيها بشكل مثلث أثناء ارتدائها، وهو مقاس أصغر من تلك المتوفرة في دولتي عمان والإمارات، حيث يفضلون عصبها بشكل أكبر على رؤوسهم.
كما أن لنقشات الشيلان أذواقاً متعددة بين تلك العريضة والكثيفة، وأخرى متوسطة الحجم، وثالثة حجمها صغير، ويميل أبناء الريف لشراء نقشات بألوان غامقة على خلاف أبناء الحضر الذين يفضلون الألوان الفاتحة. أما أنواع النقشات فهي ما يسعى فيها التجار للتميز بجلب نقشات مبتكرة وتطريزات مبهجة وملفتة للأنظار.

تجارة مربحة

لليمن نصيب بالغ الوفرة من الشيلان العادية، حيث يقبل عليه غالبية اليمنيين، لإكمال أزيائهم الشعبية، وللوقاية من برد الشتاء وحر الصيف. وتعد تجارة مربحة للغاية، لاسيما في عيدي الفطر والأضحى، حيث ذروة بيعها وزخم المحتشدين لشراء شيلانهم، والإجازات الصيفية حيث مواسم الأعراس. غير أن الشيلان الصوفية الأصلية، وإن كانت مربحة في أسواقها المعروفة دولياً، إلا أنها لا تجد لها رواجاً سوى في بعض الأسواق والتجار الذين يشار لهم بالبنان، وبعضها الآخر لا يتم توفيره إلا حسب طلب العملاء من الشخصيات بالغة الثراء والجاه.
بسام محمد، وهو عامل لدى أحد أشهر موردي الشيلان الصوفية إلى اليمن، يقول لـ”المشاهد”، إن الشيلان الصوفية الصينية متوفرة بشكل كبير، ويتداولها الكثير من هواة لبس الشيلان التي تتجاوز أسعارها 50 دولاراً، وهناك محلات كثيرة توفرها لزبائنها.

شيلان صوف


لكن الشيلان الصوفية الأصلية، والحديث لبسام، لا تتوفر منها في السوق المحلية سوى الترمة، وتليها سوبر ترمة بدرجة لا بأس بها، لأن سعرها مناسب نوعاً ما لبعض الوجاهات، ولا يتم عرضها كباقي الشيلان، وإنما توضع في أماكن مخصصة، ولها زبائنها المعروفون من المشائخ والمسؤولين.
بينما لا تتواجد شيلان الباشمينا وسوبر باشمينا، إلا بشكل نادر، ولشخصيات ووجاهات تجد طريقها مباشرة مع مورد تلك الشيلان لتوفيرها لهم، أو علاقات المورد مع كبار الدولة والمشائخ، حيث لا تبور بضاعته إذا ما استوردها دون طلب مسبق.
فيما لم يعد لشيلان الشاتوش أي موطئ قدم لليمن في الفترة الأخيرة، نظراً لقيمتها المرتفعة وندرة صوف ماعز “الشاتوش” التي تعني ملك الأصواف باللغة الفارسية، وفقاً لبسام.
من جانبها، تقول وكيلة هيئة الحفاظ على الموروث الشعبي أمة الرزاق جحاف، في حديثها لـ”المشاهد”، إن الشيلان الصوف دخلت إلى اليمن مع انتشار الحركة التجارية بين اليمن ودول شرق آسيا، ما جعل الأولى سوقاً خصبة لاستيراد الشيلان وبيعها في الأسواق المحلية.
وتشير جحاف إلى أن اليمنيين قبل ذلك كانوا يستخدمون اللحافات القطنية والبرود اليمانية، لما اشتهرت تهامة ولاسيما زبيد بزراعة القطن، واهتمامها بالمنسوجات القطنية وإنتاجها، وصباغتها بمواد طبيعية.
وظل اليمنيون يرتدون الصناعات المحلية من اللحاف، للزينة، وكي تقيهم من البرد، فضلاً عن حمل الأشياء داخل هذه اللحافات، إلى أن جاءت الشيلان الصوفية وبمظهرها الجذاب، ومعها انتهت الوظيفة السابقة للحافات في حمل الأشياء، وأصبحت جزءاً من قيمة الرجل ووجاهته الاجتماعية، على حد توصيف جحاف.

“بجاه الله”

ارتبط الشال، كجزء مهم من الزي الشعبي، بتقاليد الكثير من اليمنيين، وباتت نوعية الشال ونوعية الصوف المصنوع منه، والزخارف الموجودة فيه، تدل على المكانة الاجتماعية والاقتصادية للشخص، والحديث هنا لجحاف، وهي تنتج بمختلف الأنواع، بحيث تكون بمتناول جميع الناس، لكن شال الشخص يدل على وجاهته.
وتضيف أنه في الوقت نفسه، كان لكل منطقة يمنية أو لكل قبيلة، طريقة معينة في لبس الشال على الرأس، فتعرف أبناء المناطق من طريقة لبس الشال، ومنها انتهج الناس في الأعراس ما يسمى “القبع”، أي أن يلبس العريس الشال بشكل ملفت، و”يقتبع”.
وذهب الشال إلى أبعد من ذلك، بارتباطه بمنظومة من العادات والتقاليد الاجتماعية، مثل إلقاء شخص ما شاله للمتخاصمين كي يحل مشكلة أو قضية ما، كما يستخدمها البعض في محاولة للضغط على الناس لتنفيذ رغباته، كدعوتهم لتناول الطعام أو غيره، إذ يرمي شاله قبالة الشخص المقصود قائلاً له: “بجاه الله”.
وبالتالي، تقول جحاف، هو يدخل في موضوع التحكيم في القضايا البسيطة فقط، أما تلك القضايا الكبيرة فلا يحل بها التحكيم إلا عبر السلاح. كما أن الشال يرافق الجنبية، فالوجاهات والمشائخ يستخدمون شالين اثنين، واحداً يلفه على رأسه، والآخر يضعه على كتفه، كدلالة للقبع والزينة.
ويؤيد بسام محمد، وهو ثلاثيني ينحدر من مناطق حراز، حيث أغلب موردي الشيلان، ما تطرقت إليه جحاف، قائلاً إن المشائخ لا بد لهم من ارتداء شال صوف، لأنها أصبحت من العادات والتقاليد، وإذا لم يتمكن بعض المشائخ من الحصول على شيلان صوف أصلية، فعليه بارتداء شيلان صوف صينية، رغم أنها لا تقوم مقام الشيلان الصوفية الكشميرية والهندية.
وتكمن قدرة محبي الشيلان على التفريق بين الصوف الهندي وبين الصوف الصيني، في التمييز بين أشكاله وألوانه ورسماته اامتفردة واامختلفة عن الشيلان الصينية والعادية، مهما حاول الصناع محاكاتها، ولأن النقشة الأصلية أكثر بروزاً، وجمالها جلي ومتميز عن غيره، يقول بسام.
ويضيف أن الشيلان نوعان؛ الشال المتعارف عليه، واللحفة، وهي لا تصنع إلا من الصوف الترمة، ولذلك أغلب القضاة والعلماء ومشائخ الدين، ومن يطلقون على أنفسهم “السادة”، لاسيما في صنعاء القديمة، يقومون بارتداء اللحفة على أحد جنبيهم، بمحاذاة الجنبية، و”يقتبعون” بالشال على رؤوسهم.
وأيضاً، انتشرت في وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية، مؤخراً، العديد من التسجيلات المرئية التعليمية لكيفية لبس الشال اليمني، ويلجأ الكثير من الشباب الهاوين للزي الشعبي، لتعلمها في مناسباتهم المختلفة، على حد تعبيرهم.

“شال عني الهم”

تتطلب الشيلان الصوفية اهتماماً وعناية، على خلاف الشيلان العادية، فأحمد راجح، وهو أحد ميسوري الحال، يقول لـ”المشاهد”: “رغم أني أفضل الشيلان الصوفية، إلا أني أعزف عن شرائها، بسبب العناية والاهتمام اللذين تتطلبهما، حيث ينبغي عدم غسله بالماء، لأنه ينكمش تدريجياً، وتطفو عليه حبيبات إزاء الصابون، بخلاف الشيلان العادية، أي القطن، ولذلك نميل لشراء شيلان صوف قطن، لتجنب بروز تلك النتوءات”.
غير أن بسام محمد ينوه إلى أن الكثير من أبناء المناطق التي ترتدي في العادة شيلان صوف، مثل مأرب وشبوة والمهرة وحضرموت، يفضلون غسلها بالماء بدلاً من البخار، كي ينكمش الشال وتبرز نقشاته بشكل أكبر، لأنهم يعتقدون أن الشال كلما صغر حجمه ظهر جماله ورونقه أكثر.
ويرى البعض أن ارتداء شيلان باهظة الأثمان، ضرب من التبذير والمفاخرة، في بلد تعصف به أسوأ أزمة إنسانية يشهدها العالم، ويمكن الاستعاضة عنها بتلك المتوفرة في الأسواق، إذ يعترض محمد عنتر على شراء هذه الشيلان بشكل عام.
ويقول مازحاً: “لن أشتري مثل هذه الشيلان الباهظة، حتى لو شال عني الهم”.
وهكذا بقيت الشيلان الصوفية محل أنظار المهتمين والوجاهات؛ لما تمثل لهم من مكانة اجتماعية، شأنها شأن الكثير من الأزياء اليمنية، على رأسها الجنابي الثمينة، وشأن التقاليد المجتمعية المتشعبة في بلد يتشبث معظم أبنائه بعاداتهم وتقاليدهم، الإيجابية منها والسلبية.
غير أنها، بنظر آخرين، وإن كانت متجذرة في التقاليد المجتمعية التي أرغمت الناس على التكلف والتكيف معها، ستكتسب بشكل متفاوت، مع مرور الأيام، البساطة في ارتداء الزي الشعبي، في ظل الزخم التجاري لضخ السوق اليمنية بمختلف الماركات الأنيقة، لتكون بمتناول الجميع.

نسعد بمشاركتك
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص