أم الصبيان

قصة "أم الصبيان" التي فتكت بذكور اليمن.. كيف حبكت النقوش السبئية القديمة أول دليل ضدها!

الباحث: شهاب الأهدل

الشيطانة الأكثر رعبا، ملكة الإرهاب التي أقسمت منذ زمن طويل على إبادة الجنس الذكري من البشر، واختارت الأماكن النائية والأودية وطرقات السفر لتتربص بالرجال المسافرين، تغويهم نداءاتها حتى يتبعونها، فتمزق بطونهم بحوافرها الحادة وتشرب عصارة أحشائهم، يسهل عليها اختطاف الأطفال المتأخرين في اللعب إلى ما بعد الغروب، وتسبب الإجهاض للنساء الحوامل بذكور. هي ليست مجرد شيطانة ابتدعها الخيال الشعبي اليمني لتخويف الأطفال من الخروج ليلاً. فأغلب ثقافات الشرق الأوسط تشترك في الاعتقاد بوجود هذا الوحش الأنثوي الرهيب، وبأرجل وحوافر الوعل تتسلق أم الصبيان المنحدرات اليمنية للحاق بفرائسها، وبأرجل الجمل الصحراوي تكون أم دويس النجدية والسعلاء الحجازية، وبذيل سمكة هي السعلوة التي تستوطن الأنهار في سورية والعراق، و في خارج الشرق الأوسط في سهوب روسيا وأوروبا الشرقية هي بابا ياجا شيطانة المستنقعات، بسيقان عظمية طويلة تشبه العصي. في هذا المقال نستعرض تاريخ أسطورة أم الصبيان وشبيهاتها بالعودة إلى جذورها الأولى عند بدايات الحضارة البشرية، ونطرح فرضية مدعومة  بدليل من النقوش السبئية حول أصل هذه الشخصية ورمزيتها القديمة في اليمن.

المرحلة السبئية:

من المعروف أن ” ليل ” هي كلمة عربية تطلق على الفترة التي تغيب فيها الشمس، لكن بالعودة خمسة الاف عام إلى الوراء، لنفتش في نصوص سومر وهي أقدم حضارة بشرية، نجد أقدم ظهور لهذه الكلمة، حيث كانت اسماَ لألهة الهواء والربيع نينليل, وهو اسم مركب من كلمتين: نين وتعني آلهة أنثى، وليل وتعني الرياح1، فتكون نينليل إي آلهة الرياح الأنثى. وفي عصر الأكادية اللاحقة  حذفت كلمة “نين”, وبدون تأنيث أطلق على الآلهة اسم ليل، كآلهة خالصة للهواء والربيع2. ويبدو أن التغييرات الاجتماعية والثقافية التي حدثت في العصر البرونزي وتعزز سلطة النظام الأبوي، قد انعكس تأثيرها ميثولوجياَ*، فلم تعد ليل آلهة كما كانت، وبالرغم من انحدار مكانتها، إلا أنها حافظت على نوع من الاحترام، وباتت تدعى مع ظهور البابلية المبكرة رياح الجنوب التائهة ليلتو3، أما الأشوريين الذين اطلقوا عليها رياح الليل الشمالية الباردة والحاملة للمرض ليليث4 فقد توسعت دولتهم  فيما بعد لتسيطر على الشرق الأدنى بكله وأصبحت لغتهم الأكادية والآرامية من بعدها اللغة الرسمية للعالم القديم6,5,  ولأكثر من ألف عام من سطوة الثقافة الأشورية على مجتمعات العالم القديم ساد المسمى الأشوري (ليليث) على نطاق واسع باعتبارها رياح ليل إي أنه تم تحويلها إلى كائن يعيش في الظلام كالبومة* يتجول في الخارج والناس نيام، هنا ربما تكون بداية ارتباط  كلمة ( ليل) بالفترة التي تغيب فيها الشمس. ومن ناحية أخرى انحدر وضعها أكثر لتصبح شيطانة العواصف الليلة التي تحمل معها الموت7، حتى باتت في البابلية المتأخرة حوالي 600 ق. م الشيطانة الأكثر فظاعة، ويتم تخليدها في اللوح الأخير من ملحمة جلجامش8.9، وفي عام 586 ق م وحدوث ما يعرف بالسبي البابلي بقيام البابليين بالهجوم على القدس، عاش اليهود لقرون في بلاد الرافدين كعبيد، وشهدت هذه الفترة انتقال ثقافة وميثولوجيا بلاد الرافدين إلى الميثولوجيا اليهودية بحسب ما يعتقد أغلب الباحثين، لتصبح ليليث فيما بعد إحدى الشخصيات الأساسية في الديانة اليهودية.

في بداية بحثي كنت أظن أن أسطورة  ليل لم تظهر في اليمن إلا بعد شيطتنها على شكل ليليث، أي مع انتشار اليهودية في اليمن، وفي محاولة يائسة قمت بالبحث عن كلمة  ليل في النقوش اليمنية القديمة، وصدمت فعلا عندما وجدتها بالفعل في نقش بيت ضبعان العائد إلى الفترة (60 ق.م)، لتبدأ حينها فرضيتي بأخذ إطار منطقي. فالنص النادر الذي اكتشف في  العام 1984 يذكر آلهة غير معهودة في أي من النقوش المسندية وهي “ليل” ( بمباركة وعون الآلهة عثتر الشارق وليل وسميدع وذات بعدان وعثتر عزيز ذي جاوب وذي طرر وريمان وشمسهم10). يصعب اعتبار الأمر تشابها لغويا وحسب، فكلمة ليل نقشت ضمن قائمة الإلهة التي يباركها النص ويشكرها، قد يعني هذا انتقال الأسطورة من بلاد الرافدين إلى اليمن في زمن سبق شيطنتها، ويخلق تساؤل حول إذا ما كانت تعود إلى شعوب أقدم كانت سلفا مشتركا؟

رسمة تخيلية لأم الصبيان للفنانة جمانة الشامي

المرحلة الحميرية الاكسومية:

أدت سيطرة قبائل ذو ريدان على اليمن في القرن الأول للميلاد إلى قيام دولة جديدة على أنقاض دولة سبأ سميت بحمير، والتي اعتنقت في القرن الثاني الديانة اليهودية، قبل أن تبدأ دولة أكسوم الأثيوبية بنشر الديانة المسيحية في اليمن، ويقوم الحميريون اليهود بحظر الديانة المسيحية وقتل المنتمين إليها, وهكذا دخلت البلاد في قرون من الحروب الدينية، وعلى كل حال فإن هذه الـ500 عام من التحولات الدينية والثقافية ربما تكون قد انعكست بشكل عميق على شخصية ليل في المخيلة الشعبية اليمنية، فبعد أن كانت عند السبئيين آلهة تعبد ربما جرى تحويلها مع اليهود المتأثرين بثقافة بلاد الرافدين* إلى الشيطانة المحتقرة ليليث. ففي التراث اليهودي المتأثر بكل هذه الحضارات المذكورة، نجد أن ليليث هو اسم المرأة الأولى التي سبقت حواء، وقد خلقت على قدم المساواة مع آدم أبو البشرية، قبل أن تهرب من الجنة، ليقوم الله بخلق حواء، لكن هذه المرة ولكي لا يتكرر ما حدث مع ليليث قام الله بخلقها من ضلع آدم نفسه، وبحسب اليهودية – المسيحية فإن ليليث اعترضت حين جعل الله العصمة بيد آدم وبيد ذريته الذكور من بعده، وطالبت بالمساواة، وأثناء الممارسة الجنسية رفضت الإنصياع لآدم وأن تستلقي تحته معتقدة أن مكانها الأساسي هو فوقه بالضرورة، وعندما حاول آدم تطويعها تسرب الغضب إلى قلبها ونبت لها جناحان قويّان حلّقت بهما بعيداً عن الجنة نحو مكان مقفر في البحر الأحمر11, وكما حصل مع إبليس من قبلها تمردت وأعلنت عصيانها على الله وكراهيتها لآدم وذريته، وأقسمت على قتل كل الذكور. ليلعنها الله وتتحول إلى مسخ، فبحثت عن إبليس وتزوجته، وأصبحت تنجب منه في اليوم مائة شيطان، وهنا ربما نجد سبب تسميتها بأم الصبيان. وبحلول القرن السابع الميلادي أصبح من السائد قراءة تعويذات ضد ليليث أثناء الولادة، ووضعها في قلادة تعلق على رقاب الأطفال لحمايتهم من الاختطاف، كما أصبحت التعويذات تكتب على أوعية تدفن في أرضية المنزل، أو توضع في زاوية الغرف ظناً أن الوعاء سيأسر ليليث إذا حاولت دخوله المنزل12.

المرحلة العربية:

في القرن السادس للميلاد حدث تحول عميق في الثقافة اليمنية، وحلول اللغة العربية محل اللغة الحميرية، ومع أن شخصية ليليث ليس لها وجود في الإسلام، إلا أنها استمرت في المخيلة الشعبية حتى يومنا هذا. ولغوياً تعود جذور اللغة العربية إلى اللغات السامية القديمة13، كالأكادية وريثة السومرية، والآرامية التي حلت محلها بأبجديتها التي يعتقد أنها الجذر الأساسي للأبجدية العربية14, وقد أثار انتباهي الارتباط اللغوي بين الكلمات “روح, رياح, ليل, رواح”  التي تصب معانيها بأي شكل من الأشكال إلى معنى واحد واسم واحد في اللغات السامية القديمة منها والحديثة، فنلاحظ أن كلمة ليل lil في السامية القديمة كانت تعني : روح، رياح15, وأصبحت في السامية الحديثة تعني: الفترة التي تغيب فيها الشمس. من ناحية أخرى نلاحظ الكلمة رواح rwђ والتي تعني في اللغات السامية القديمة: فترة غروب الشمس1, قد أصبحت الجذر السامي الذي انشقت منه الكلمات “روح، رياح” في السامية الحديثة كالعربية16. الخلاصة أن ما كان يطلق على الروح والرياح بات يطلق على: الفترة التي تغيب فيها الشمس، وأن ما كان يطلق على الفترة التي تغيب فيها الشمس بات يطلق على: الروح والرياح. يمكن تفسير سبب هذا التبدل في كون الكلمات المتبدلة مرتبطة بالآلهة السومرية ” ليل” التي طالما جُسدت في الليل17 والرياح18والروح. 1

يقدم التاريخ اللامادي بلقيس كأهم وأقوى شخصية يمنية، إلا أن كبار المؤرخين اليمنيين كنشوان الحميري قد ربطوها بالجن، وأن أمها كانت غزالة تدعى رواحة بنت سكن19,هنا يلفت انتباهنا الغزال الذي قد يعني الوعل، واسم رواحة الذي هو تأنيث للكلمة رواح  rwђوالتي تحدثنا عنها، من جهة أخرى نقل المفسر الإسلامي ابن كثير عن الثعلبي وصفاً لبلقيس بأرجل وحوافر حيوان20 .فما الغرض من مزج صفات ليليث في شخصية بلقيس؟ هل هي محاولة لخلق نموذج جميل من ليل بعد شيطنتها؟، أو كما يعتقد باحثون أنها رمز يذكرنا بالزمن الذي حكمت فيه المرأة21. هناك من الباحثين من يربطون أسطورة ليليث برغبة الرجال في بسط السيطرة الذكورية على النساء وحثهم على الانصياع22 ( يقال استسعلت المرأةُ  إِذا تشبهت بالسعلاء في الجرأة وسلاط اللسان23). وعلى هذا المنوال أصبحت ليليث اليوم، رمزا للكبرياء الأنثوي، ورمزا للقوة والحكمة النسوية التي تعرضت للشيطنة24. وبحسب باحثين لايزال اسم ليل حاضر في الأغاني والأهازيج والمواويل العربية, كالدان الحضرمي الذي عادة ما يبدأ بــ” ياليل ” كما في أغنية ظبي اليمن ” يا ليل دان ” لأبو بكر سالم, وكذلك في الغناء الصنعاني كموال ” يا ليل لمن أشكو” للآنسي، وأيضا نجده في مواويل العراق والشام ومصر كموال “يا ليل يا عين” وهي مواويل لا يعرف متى ظهرت وإلى من تعود، كما يفترضون عودة هذه المواويل إلى ترانيم قديمة كانت تغنى لإرضاء ليل أو التغزل بها12.

إذا ليست أم الصبيان مجرد وحش اخترعه الآباء لإخافة أطفالهم، بل هي سجل طويل من الدعاية الإجتماعية*، وإرث إبداعي ابتدعه الخيال البشري المشترك. ويوما بعد يوم يسلب الإعلام والتعليم من هذه الشخصية وحشيتها، وتنسى قصصها التي أرعبت الناس لألاف السنين، لتبقى في الأخير تراثا لاماديا تدرسه المجتمعات التي لا تكتفي بمعرفة التاريخ دون فهمه، ولهذا نحن نسأل إن كانت هذه الشخصية بتحولاتها الدرامية ما هي إلا انعكاس ميثولوجي لوضع المرأة على مر العصور؟

حواشي:

  • يقصد بالميثولوجيا القصص الفلكلورية والأساطير التي تستخدم لتفسير الأحداث الطبيعية وشرح الطبيعة والإنسانية.
  • وتتخذ ليليث في الديانة المسيحية شكل بومة25، وفي المغرب العربي تحمي الأمهات أبنائهن من البومة الخاطفة بتمائم، كالنعوشة التي تخطف الأطفال وهي بومة عملاقة كانت في الأصل إمرأة11.
  • يقصد بالدعاية الإجتماعية، الدعاية التي تسعى إلى توحيد سلوك المجتمع26.

 

 

 

شهاب جمال الأهدل، باحث في الأنثروبولوجيا الثقافية. يحمل درجة البكالوريوس في الإعلام (جامعة المستقبل – صنعاء). يعمل مسؤول العلاقات العامة في مؤسسة بيسمنت الثقافية.

 

نسعد بمشاركتك
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص