الانتقالي الجنوبي

سيطرة الإمارات على سقطرى.. ما دلالات البحث عن نصر في الأطراف الهشة عسكريا؟

تقرير: عبد السلام قائد

كانت مسألة سيطرة مليشيات ما يسمى المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيا على جزيرة سقطرى أمرا متوقعا، نظرا للتحشيد العسكري الضخم خلال الأسابيع الماضية إلى الجزيرة من محافظتي الضالع ولحج، اللتين تمثلان العمق المناطقي والقروي لمليشيات "الانتقالي"، بالإضافة إلى تفكيك قوات الجيش والأمن في الجزيرة وشراء ولاءات ضعيفي النفوس في صفوفها، وكان لـ"المال السياسي" الإماراتي دوره في محاولات تفكيك وإعادة هندسة الوضع العسكري والاجتماعي في سقطرى، كما هو الحال في مختلف المحافظات المحررة، يقابل ذلك ضعف قوات الجيش والأمن الحكومية في الجزيرة عددا وتسليحا، خاصة بعد تشتت ولاءاتها بين الحكومة الشرعية والإمارات وصنيعتها (مليشيات الانتقالي).

 

والسؤال هنا: لماذا كل هذا الحرص على تحقيق نصر في الجزيرة البعيدة عن مناطق الصراع الساخنة، خاصة أن أبناءها يتسمون بالسلمية ولا ينتشر السلاح في أوساطهم كما هو حال بقية المحافظات اليمنية؟ كما أن أبناء الجزيرة ليس لهم أي دور عسكري في مجريات الصراع إذا افترضنا أن هناك مخاوف من هذا القبيل تقتضي تحييدهم عسكريا، وأيضا فإن موقع الجزيرة، رغم أهميته الإستراتيجية (دوليا)، إلا أنه لا يمنح من سيسطر عليه أي تفوق عسكري في مجريات الحرب الدائرة في البلاد، ولا تشكل السيطرة عليه نقلة نوعية لتحقيق مشروع انفصال جنوب اليمن عن شماله. فلماذا إذن كل هذه الاستماتة من أجل السيطرة على الجزيرة وعسكرتها، وتأليب الرأي العام اليمني الشعبي والرسمي ضد السعودية والإمارات وتصفير الثقة بهما تماما؟

 

لعل الدافع الرئيسي وراء الاستماتة الإماراتية للسيطرة على سقطرى، بتواطؤ سعودي، يتمثل في منح مليشيات المجلس الانتقالي نصرا معنويا أكثر من مجرد نصر عسكري، ذلك أن هذه المليشيات لم تتمكن من تحقيق أي انتصار عسكري يُذكر منذ سيطرتها على العاصمة المؤقتة عدن في أغسطس الماضي وحتى اليوم، وحتى سيطرتها المفترضة على عدن فقد كانت محمية بالطائرات الحربية الإماراتية التي قتلت وأحرقت أكثر من 300 جندي يمني مع عتادهم العسكري على مداخل مدينة عدن، وبدا لدى كل من السعودية والإمارات أن حصاد خمس سنوات من التسليح والتدريب وصرف الأموال الباهظة لمليشيات الانتقالي انهار على تخوم مدينة عدن في لحظة واحدة. 

 

وبما أن مليشيات المجلس الانتقالي عجزت عن التقدم نحو محافظات شبوة وأبين وحضرموت وعجزت عن فرض حضورها داخل محافظة المهرة، فقد كانت الخطة البديلة ألا تظل هذه المليشيات حبيسة أسوار مدينة عدن وأجزاء من أبين، بينما في الجانب الآخر تنمو وتتزايد حالة الرفض الشعبي والاستعصاء أمامها، لذلك لم يكن هناك من أي خيار لكسر حالة الجمود وزيادة لي ذراع الحكومة الشرعية للرضوخ لبعض الإملاءات السعودية الإماراتية سوى تحقيق نصر في الأطراف الهشة عسكريا، ولذا فقد كانت جزيرة سقطرى هي المنطقة الأضعف عسكريا من حيث تواجد قوات عسكرية موالية للحكومية الشرعية ومدى صلابة ذلك الولاء، ومجتمعها يتسم بالبساطة والسلمية ولا ينتشر السلاح في أوساطه، وبالتالي فإن التقديرات العسكرية للسعودية والإمارات ذهبت إلى أن تحقيق نصر في سقطرى أسهل من تحقيق نصر مماثل في أي محافظة جنوبية أخرى.

 

ولذا، يمكن القول إن الانتصار الذي حققته الإمارات على الحكومة اليمنية الشرعية في سقطرى، تحت مظلة مليشيات "الانتقالي"، بتواطؤ وربما تعاون سعودي من وراء ستار، الهدف منه إعادة الثقة لمليشيات "الانتقالي" بنفسها، ورفع معنوياتها أملا في أن تتمكن من تحقيق نصر آخر في أطراف هشة عسكريا، وربما اتخاذ جزيرة سقطرى منطلقا للسيطرة على محافظة المهرة، وبالتالي تطويق المحافظات المستعصية على الاستسلام من جهتي الشرق والغرب، لكن النتيجة لن تكون في صالح مليشيات "الانتقالي"، لأنها بذلك تكون قد قطعت أوصالها بين مناطق متباعدة جغرافيا، وفي حال اندلاع معارك شاملة فإنها ستتوه في الصحاري والبحار بعد أن تنقطع عنها خطوط الإمداد والدعم اللوجستي وتواجه بالرفض المجتمعي في المحافظات التي تحاول غزوها، كما أن محاولات عودتها إلى الضالع ولحج ستكون شاقة وعسيرة.

 

أما ما يذهب إليه بعض المحللين بأن الإمارات تريد السيطرة على جزيرة سقطرى نظرا لأهميتها الإستراتيجية والسياحية، فلا أحد ينكر هذه الأهمية للجزيرة، لكن في زمن الحرب فإن هذه الأهمية تصير بلا جدوى، ولعل ما ستستفيد منه الإمارات في هذه الحالة أنها ستدمر الخصائص السياحية للجزيرة وتحولها إلى خراب، ولن يسلم منها طير أو شجرة نادرة إلا ما أفلت من أنظارها، لتهميش مكانتها السياحية مستقبلا، أما كسيطرة فعلية تؤول بموجبها الجزيرة لملكية الإمارات أو السعودية إلى الأبد فهذا هو المستحيل بذاته، والحاصل أنه ستكون هناك سيطرة مؤقتة أنتجتها ظروف الحرب والانقسام بين اليمنيين بواسطة مليشيات محلية، وستزول بانتهاء الحرب، كما أن هذه السيطرة لن يترتب عليها أي مصالح، وإنما سينتج عنها أحقاد وثارات تاريخية ورغبة في الانتقام من قبل اليمنيين ضد من عاثوا فسادا في البلاد بشكل عام وفي جزيرة سقطرى بشكل خاص.